د. جعفر فضل الله
التراث هو هوية شعب يعبر عن مخزونه الطبيعي والفكري في شتى المعارف وإبداعاته على مر العصور مثل: الآثار، التاريخ، الحكايات والأمثال الشعبية، اللغة، الأدب، الزراعة، التشريعات القضائية وغيرها من العلوم التي ارتبطت بشكلٍ مباشر مع الانسان وواقعه وحياته اليومية. فالتراث ليس مجرد ذكريات وآثار ماضية، كما يعتقد البعض، بل هو جزءٌ من الذاكرة، والوعي بالذات، واذا حاول المرء أن يتنصل من تراثه، فانه سيعيش غربة وانعدام للهوية، ومن الصعب تعويضها في ظل العولمة التي بات البعض للأسف يتغنى بها. لذا ينبغي أن نتعامل مع التراث بوعيٍ تاريخيٍ موضوعي، يتناسب مع العصر، فمع هجمات الاختراق الثقافي، وما يسمونه بغياب القوميات والثوابت، يصبح تفعيل التراث العربي سلاحًا ضد محاولات طمس الهوية العربية.
إن أزمة التراث العربي هي نتيجة لوسائل المعرفة المصدرة لنا عبر وسائل الاتصال الحديثة (السلطة غير المباشرة على العقول) أو سياسة العولمة الأمريكية وحلفائها، التي تبتغي توحيد رغبة الناس على نمط معين من العيش، والتي تريد فيه إزالة ثوابت الأمم المختلفة، فمع التطور الهائل في وسائل الاتصال أصبح الفرد يجلس أمام شبكة الانترنت، لساعات أطول من الفترة التي يجلس فيها الأب مع أبنه ليعلمه تقاليد الأجداد ومعرفة تراثه... والاتصال يشمل المحطات التلفزيونية عبر الأقمار الاصطناعية وشبكات الانترنت، وإن أصحاب هذه التقنية ليسوا أمم تمتلك عقائد وتراث مثل عقائدنا وتراثنا بل لها معتقدات وقيم مخالفة لنا وتروج لثقافتها كما تروج لبضاعتها، فالمعرفة أصبحت في ظل الوسائل الحديثة، تقتحم كل القيود الموروثة والمكتسبة، فالدول الكبرى صاحبة القرار في العالم أخذت تعرض مفاهيم ووسائل ثقافية تبتغي توحيد الرغبة وأنماط الاستهلاك في الذوق والمأكل والملبس مع توحيد طريقة التفكير.
ومع أن بلداننا التي يسمونها العالم الثالث! تعاني من مشاكلٍ اقتصاديةٍ وسياسيةٍ واجتماعية ما يدعو الفرد منا إلى تفضيل الحياة الغربية، وتقبل ثقافة الآخر الغالب والوافد إلينا، نظرًا لما يقدمه من إغراءات، ومع وجود الخطاب الإعلامي المثير للغرائز، ووجود تدهور في أوضاع الشباب (خصوصاً)، يتم إضعاف صلة الفرد بالمجتمع، لاسيما أن المرء مولع بتقليد الغالب لان المغلوب يظن أن غالبه غلبه لأنه أفضل منه حسب قول ابن خلدون(1(.
فالخطاب الإعلامي موجه خصوصا نحو عقول الشباب لإثارة غرائزهم عبر الممنوعات التي تضعها بين أيديهم، إضافة الى ذلك وسائل التشويش التي تولد حالات الاحباط عند الفرد إزاء مجتمعه بسبب المشاكل والظروف المعقدة التي تمر بها أغلب البلدان النامية، وهذا النشاط الثقافي إزاء هذه الدول يمثل تهديداً لانتماءات الفرد العقائدية الموروثة، خصوصاً بعد تنوع وسائل إختراق العقول والمجتمع والأسر، فالذي يلاحظ الخطابات التي تمر بكثافة عبر الاقمار الإصطناعية تأخذه الدهشة من وطأة هذه الخطابات الوافدة وخطورتها، وهي تصر على انتزاع الأفراد من مجتمعهم وعقائدهم وتدفعهم الى تفعيل الهجرة الى غير تراثهم(2).
وعن المجتمع الأمريكي والأوروبي الذي يروج لنا ثقافته، يذكر الدكتور علي حسين الجابري أن "توفلر يذهب بنا الى {أمريكا الداخل} الذي تحرص إدارته على الهروب به الى {الخارج} تحت دواعي {الخطر}.... فيعلن صراحة: إن الولايات المتحدة على الرغم من إنجازاتها الكبرى في الفن والعلم والفكر وفي الحياة المعنوية والسياسية فإنها أمة يهرب عشرات الألوف من شبابها من الواقع إلى إدمان المخدرات ويتراجع ملايين {الآباء} إلى ضبابية الكحول، أمة يعيش عشرات الألوف من أبنائها المسنين في خمول ويموتون وحيدين، أمة لا تجد الملايين فيها من سبيل الى ترويض قلقهم واضطرابهم إلا باللجوء الى عشرات الأنواع من العقاقير المهدئة مثل هذه الأمة تعاني من صدمة المستقبل، ثم يحذر من المشكلات الأخلاقية التي ستترتب على المتغيرات المنتظرة. والمترتبة على آثار التقنية الرأسمالية مثل {الحرب وتخريب البيئة، والعنصرية والتفاوت الفاحش بين الأغنياء والفقراء، وثورة الشباب وظهور وتفشي خطر اللاعقلانية المميت"(3).
فالبث الثقافي المصدر لنا من العولمة الغربية إن صح القول له أثر سلبي على التراث والعقل العربي وبالتالي على الهوية وفي هذا الصدد يقول محمد عابد الجابري: "العلاقة بين العولمة ومسألة الهوية ليست إذن علاقة وحيدة الاتجاه، وهي لا تطرح مشكلة واحدة يمكن حلها بل هي تنسج إشكالية لا يمكن حلها إلا بتجاوزها. وعملية التجاوز تتطلب هنا مقاومة هذه الإشكالية بـأقوى أسلحتها، أقصد تعميم المعرفة العلمية بتراثنا وأهميته.
إن التغلب على مساوئ العولمة لن يفيد فيه الهجوم عليها ولا محاولة حصارها. إن السبيل القويم إلى الحد من آثارها، هو الرفع من مستوى الهوية إلى الدرجة التي تستطيع بها الصمود الإيجابي المملوء بالثقة بالنفس. إن الوسائل التقنية التي توفرها العولمة على مستوى الاتصال خاصة هي خير مساعد على نشر المعرفة العلمية وتعميم الروح النقدية. إن في العولمة سلبيات؛ ولعل أكبر سلبياتها ومخاطرها هي أنها تدفع إلى الوقوع فريسة للهواجس الهويانية، سواء داخل البلدان المتقدمة داعية العولمة أو البلدان الضعيفة المتخوفة منها، فالنقد العلمي وحده يحرر من الاستلاب العولمي والتقوقع الهوياني"(4 ).
--------------------
1 - ابن خلدون، المقدمة، بيروت، 1978، ص.147.
2 – محمود، شمال، سيكولوجية الخطاب في برامج البث الوافد من الفضاء مجلة الحكمة، بغداد، بيت الحكمة، العدد (9)،السنة الثانية 1999، ص. ص. 94 – 100.
3 - الجابري، علي حسين، الموجة الثالثة من الحداثة.. الى العولمة، مجلة الحكمة، العدد )42(، بغداد، بيت الحكمة، 2006، ص. 162
4 - محمد عابد الجابري، العولمة والهوية… بين عالمين!، http://www.mokarabat.com/m732.htm.
All rights reserved for Research Labs © 2021