د. حسين شرارة
تغيب الحماية الاجتماعية للنساء في لبنان، الكثير منهن لا يجدن مأوى سوى الطرقات، والظاهرة تتزايد بشكل مستمر. والأسباب تختلف من امرأة الى أخرى حيث الهروب من الزواج المبكر او العنف الاسري او بسبب الفقر والشيخوخة.
يرخي النظام الابوي بظله الثقيل على النساء في لبنان، عانت منه ليلى قباني احدى النساء التي باتت بلا مأوى بسبب تعرضها للتعنيفوالطرد من قبل ذويها. تفترش قباني الأرض تحت جسر الكولا، حيث وجدت نفسها بلا مأوى.
أما لفاطمة فهناك قصة مختلفة. فهي أرملة لبنانية مسنة لا معيل لها ولا معين تفترش الرصيف في طرابلس. وكانت تعيش مع حفيدها الذي أخذته مديرية حماية الأحداث. فبقيت لوحدها تكابد مأساة التشرد. حيث أكدت أنها مستعدة لبيع كليتها لكي تدفع ايجار بيت يأويها مع حفيدها.
ولغصون فرزات فصل آخر من مسلسل مآسي النساء، تفترش رصيف كورنيش عين المريسة منذ العام 2004، تروي فرزات قصتها، حيث قالت "بدأتْ المشاكل لأن زوجي كان يهينني دائمًا، وأنا عندي الإهانة أقسى من الضرب، ثم أخذ مني ممتلكاتي وبناتي وكنّ صغيرات قبل أن يتهمني بمحاولة قتله وسجني بدعوى أنني مختلة عقليًا". وبعد ستة أشهر من توقيفها خرجت من السجن لتتفاجأ برفض عائلتها لها وبناتها ما خلا شقيقها الذي ساندها قبل أن يغيبه الموت لتفقد برحيله السند الوحيد بعد أن فقدت والديها.
وأضافت فرزات "لجأت إلى رصيف الكورنيش. تعلمت الصيد من صيادي الأسماك لأتمكن من العيش، فكنت أجني بين 300 و400 ألف ليرة. ولكن بعد تلوث الشاطئ بالمجارير توقفت عن الصيد".
هذه بعض عينات من نساء وجدن أنفسهن بلا مأوى، حيث يفترشن الأرصفة والطرقات وتحت الجسور كمسكن لهن. في غياب واضح لحماية النساء اجتماعيًا، فما أسباب هذه الظاهرة؟ ولماذا يبرز تأثيرها على النساء بشكل أكبر؟
العنف يطارد النساء
في السياق أكدت الاخصائية في علم النفس الاجتماعي الدكتورة لينا حجازي ان العنف الأسري دافع أساسي لهروب النساء وبقائهن بلا مأوى، وهو ينقسم إلى جسدي ونفسي وجنسي. إذ تتراوح أعمار بعض الفتيات اللواتي أجبرن على ترك بيوتهن بسبب الأذى الجسدي أو الجنسي بين 15 و16 سنة". وتعتبر حجازي أن الفتيات المراهقات بتن أكثر جرأة من الجيل السابق على ترك بيوتهن بعد التعرض للعنف بسبب ارتفاع مستوى الوعي من خلال انتشار مواقع التواصل الاجتماعي. "فبعض حالات العنف الأسري أجبرت الفتاة على ترك بيت الأبوية واللجوء إلى بيت صديقتها أو أقاربها، ثم العمل بظروف غير ملائمة لجمع ما يكفي من المال لاستئجار مسكن خاص يفتقد في الكثير من الأحيان للحماية والأمان. كما أن الأزمات والكوارث المفتعلة أو الطبيعية مثل انفجار مرفأ بيروت العام 2020 والحرائق المتنقلة أسباب أخرى تؤدي بشكل مباشر أو غير مباشر لزيادة ظاهرة التشرد. فبعض العائلات اضطرت إلى السكن في بيت واحد في ظروف غير ملائمة نفسيًا وجسديًا للنساء."
أما في النتائج، فقد حددت حجازي "إن فقدان المأوى يعني انعدام الشعور بالأمان والحماية. وتاليًا فقدان التطور والارتقاء الاجتماعي وصولًا لتدني المعايير الاجتماعية التي تحفظ كرامة المرأة، واللجوء إلى بدائل لا تليق بإنسانيتها. وهذا أخطر ما في الأمر. إذ تصبح النساء المتشردات أكثر عرضة للخوف من الحاضر والقلق على المستقبل بفعل الضغط النفسي وتاليًا عدم الشعور بالاندماج الاجتماعي وصولًا لتصنيفهن كفئة ثانية في مجتمع ذكوري يفتقد للمساواة بين الجنسين ويشجع على اضطهاد المرأة. وهنا تزداد فرص استغلالهن من خلال رب العمل أو صاحب المسكن أو الاستغلال الرقمي عبر التصوير الجنسي نتيجة حاجتهن للمال، مع ما ينطوي على هذا الاستغلال من ممارسة أعمال غير قانونية مثل الإدمان على المخدرات وتجارتها، أو تعاطي المهدئات لتخفيف الألم الجسدي والنفسي. وغالبًا ما يصاحب هذه الممارسات والظروف تدهور في الحالة الصحية للنساء."[i]
مؤشرات الاعتداءات ضد النساء وفق دراسات منظمات المجتمع المدني والأمم المتحدة وقوى الأمن الداخلي.
|
أساليب الاعتداءات التي تعرض لها النساء ونسبها الصادرة عن قوى الأمن الداخلي ومنظمات المجتمع المدني[ii]-[iii]-[iv] |
|||||||||
|
نوع الاعتداء |
2013 |
2014 |
2015 |
2016 |
2017 |
2018 |
2019 |
2020 |
2021 |
|
عنف أسري |
|
|
|
|
|
|
747 |
1468 |
1184 |
|
اعتداء جنسي |
36 |
86 |
304 |
|
|
|
|
|
|
|
عنف جسدي |
145 |
400 |
673 |
|
|
|
|
|
1056 |
|
عنف كلامي |
136 |
338 |
684 |
|
|
|
|
|
|
|
الضرب والإيذاء |
|
|
22 |
101 |
149 |
|
|
|
|
|
تهديد بالقتل أو قتل |
|
|
12 |
|
44 |
|
13 قتل |
27 قتل |
3 قتل |
|
نسب الاعتداءات من خلال الاتصال والتبليغ على الخط الساخن 1745 [v]-[vi]-[vii]-[viii] |
||||
|
|
2019 |
2020 |
2021 |
2022 |
|
عنف أسري |
26% ثم 139% ثم 158% |
35% ثم 122% ثم 180% ثم 268% |
96.5% ثم 100% |
|
|
اغتصاب |
|
300% |
|
|
|
عنف جسدي |
|
95% |
92% |
|
|
عنف نفسي |
|
4.5% |
8% |
|
|
عنف ضد القصر |
|
14% |
78% |
82% |
|
عنف زوجي |
|
|
58% |
60% |
غياب الأنظمة الاجتماعية
وترجع الدكتورة في علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية، ليلى شمس الدين، تزايد عدد المشرّدين إلى تفاقم "العوامل المساهمة في انتشار ظاهرة التشرد، وهي الفقر، البطالة، التفكّك الأسري، نقص الخدمات، النزوح الناجم عن النزاعات، الكوارث مثل انفجار مرفأ بيروت والعنف المنزلي".
هذه العوامل ما هي إلا نتائج لغياب الأنظمة الاجتماعية التي يجب أن ترعى من يفقدون المأوى والمعيل. لاسيما تأمين الدعم الاجتماعي والرعاية الصحية والحماية والأمان ووضع سياسات للعاطلين عن العمل، وتالياً، "في ظل غياب سياسات عامة يمكن الاعتماد عليها، يُترك الأفراد في موقع ضعيف ويصبحون عرضةً للمعاناة، وبصورة مضاعفة في ظل الأزمات حين تصبح احتمالات التشرد مضاعفةً". لا تنحصر إشكالية التشرد بفقدان المسكن اللائق. بل في فقدان الهوية الاجتماعية، والاحتضان العائلي، والأمان الجسدي، والتوازن النفسي. والتشرّد بمعناه الأشمل، "لا ينحصر بالأشخاص الذين خسروا منازلهم فقط، بل بكل شخص مهدد بأن يخسر مكان سكنه لأسباب خاصّة أو عامّة، أو كل شخص لا يملك القدرة المادية للحفاظ على مسكنه."[ix]
دور الجمعيات والهيئات الحكومية
تقدم العديد من المنظمات والجمعيات المدنية في لبنان خدمات لوجستية واستشارية للنساء اللائي يتعرضن للعنف والتمييز، وتعمل مع الدولة اللبنانية تحت مظلة قرارات الأمم المتحدة التي تهدف إلى تعزيز دور المرأة في الحياة الاجتماعية وتمكينها ثقافيًا واقتصاديًا وسياسيًا، مثل: الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية، لجنة حقوق المرأة اللبنانية، جمعية المرأة الخيرية، الهيئة اللبنانية لمناهضة العنف ضد المرأة، جماعة مريم ومارتا، أبعاد، كفى عنف واستغلال وغيرها.
وفي هذا الصدد قالت المستشارة في الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية جمانة مفرّج ان الهيئة تقارب قضايا المرأة، ومنها قضية غياب الحماية الاجتماعية للنساء من خلال معالجة أسبابها بخطة من ثلاثة مسارات: العمل الاستشاري مع الحكومة لرسم السياسيات. العمل التنسيقي مع المؤسسات الحكومية والجمعيات المدنية. والعمل التنفيذي لمتابعة الاستراتيجيات والخطط. وقالت مفرج "إن الهيئة تعمل على تشجيع المساواة بالأدوار بين المرأة والرجل في المجال الاقتصادي والمهني لمواجهة تحديات البطالة والفقر عند النساء. ولكسر تراكم رأس المال الذي يكتسبه الرجل من خلال التمايز في توزيع الإرث، وأفضلية التوقيع على العقود والقروض المصرفية والضمانات العقارية، والتمييز على أساس النوع. وهذا مرده إلى المسؤوليات المنزلية والأسرية المنوطة بالمرأة والتي تشكل عائقًا أمام ارتقائها الاقتصادي والمالي مقارنة بالرجل." وقد واجهت العديد من النساء تحدي التشرد بعد الإقفال القسري بسبب جائحة كورونا من خلال خسارة وظائفهن (بنسب أعلى من الرجال). وتاليًا تحملهن للضغوطات النفسية والعنف الجسدي الذي ارتفع بنسب كبيرة خلال هذه الفترة حيث وقفت المُعنَّفة وحيدة وجهًا لوجه مع المعنِّف. مع عدم قدرة دور الإيواء على استيعاب كامل أعداد المعنفات خلال الجائحة بسبب ظروف العزل والوقاية من الوباء.
كما تعمل الهيئة مع وزارة التربية على مواجهة هذه الظاهرة من خلال حملة لتوعية الفتيات في المدارس للإبلاغ عن حالات العنف الأسري. ويعد زواج القاصرات بالنسبة لمفرج أحد أسباب التشرد "وهو ظاهرة لا زالت المجتمعات التقليدية تتبناها وخاصة الريفية التي تعتبرها جزءًا من ثقافتها وتقاليدها. وهي لا تعدو كونها تجارة بالبشر، إذ تعمل الهيئة على سن قانون عبر المجلس النيابي يمنع زواج القاصرات تحت سن 18 سنة لأنه قضية انتظام عام ولا يجب أن يتبع للأحوال الشخصية."[x]
غياب الأرقام
تشير الاحصائيات والدراسات الوادرة في الجدول البيانية الواردة أعلاه إلى مجموعة من التحديات التي تواجهها النساء وتدفع بعضهن للبقاء بلا مأوى، ومنها: الفقر، العنف الأسري، الاعتداء الجسدي والجنسي والنفسي، زواج القاصرات، المشاكل الاقتصادية، التحديات الاجتماعية ثم النفسية. وتندرج الحماية في المرتبة الثانية بين أولويات الفتيات والنساء في لبنان فيما يحتل تأمين الغذاء والدخل المادي المرتبة الأولى. من جهة ثانية، تبيّن الدراسات انخفاض نسبة التبليغ عن التعرض للعنف المنزلي أو اللفظي (أكثر أنواع العنف الذي تتعرض له النساء في لبنان). على سبيل المثال، تسع نساء من أصل عشر لم يبلغن عن العنف الذي تعرضن له، وأن امرأة واحدة فقط من أصل عشر لجأت إلى الجهات الأمنية أو القضائية للتبليغ عن العنف.
مؤشر التحديات التي تواجه النساء في لبنان
|
أبرز التحديات التي تواجهها النساء في لبنان وفق دراسة من اعداد منظمة (أبعاد) |
|||
|
بحاجة لحماية خارج المنزل |
يعانين من المشاكل الاقتصادية |
زواج القاصرات من أصل 300 عينة |
العنف الأسري |
|
94.7 % |
3 من أصل 5 |
61 % |
200%[xi] |
في السياق لفتت زينة الأعور من جمعية "كفى عنف واستغلال" التي تتخصص بمساعدة النساء المعنفات "لا تلجأ النساء المتشردات إلى الجمعية لذلك نفتقر إلى إحصائية محددة لهن، لأن الحالات التي ترد إلى (كفى) هي حالات العنف الأسري التي تتكفل الجمعية بمعالجتها."[xii]
وقد قالت المنسقة المقيمة ومنسقة الشؤون الإنسانية في لبنان في الأمم المتحدة، نجاة رشدي، "تؤثّر الأزمة الحالية في لبنان على الجميع، في كلّ أنحاء البلاد، وتتحمَّلُ النساء العبء الأكبر من تأثير هذه الأزمة المتعددة الأوجه. وأوضحت أن الأمم المتحدة تلقت العديد من التقارير والإفادات من نساءٍ وأطفال على نطاق جغرافي واسع، عن عدم شعورهم بالأمان في الأماكن العامة، مثل الشوارع والأسواق."[xiii]
[i]مقابلة مع الدكتورة لينا حجازي، متخصصة في علم النفس الاجتماعي العيادي..
[ii]مكتب وزيرة الدولة لشؤون المرأة، "الاستراتيجية الوطنية لمناهضة العنف ضد المرأة والفتاة في لبنان (2019-2029)، اسكوا و UNFPA.
[iii]"التقريرالدوري السادس حول اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) لبنان"، الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية، بيروت 2019.
[iv]جريدة النهار،"حملة دايمًا وقتها، أرقام صادمة للعنف ضد النساء: 95 بالمئة بحاجة للحماية". (25 تشرين الثاني 2021).
[v]سارة مطر، "نساء معنفات أسيرات الألم والمنزل في لبنان". جريدة العربي الجديد، (15 نيسان 2020),
[vi]اليونيسف، (17 كانون الأول 2021)، https://www.unicef.org/lebanon/ar/
[vii]جريدة النهار، المرجع السابق.
[viii]لبنان 24، "نسبة العنف الأسري في لبنان ارتفعت 96.5 %.. وتذكير بالخط الساخن". (3 شباط 2021).
[ix]نغم شرف، "إفتراش الأرصفة، الوجه الفج لأزمة التشرد في لبنان". رصيف 22 (15 حزيران 2022) https://raseef22.net/article/1088210
[x]مقابلة مع السيدة جمانة مفرج، مستشارة في الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية
[xi]زينب حمود، "العنف الأسري يتفشى بصمت: زيادة نسبة 200 في المئة"، جريدة الأخبار، (8 كانون الأول 2021).
[xii]مقابلة هاتفية.
[xiii]نجاة رشدي، الأمم المتحدة، المساعدات الإنسانية. (16 حزيران 2022) https://news.un.org/ar/story/2022/06/1104902
All rights reserved for Research Labs © 2021