د. حسين شرارة
إشكالية تاريخ عمارة المشرق العربي
بين الإرث الثقافي والمعاصرة
المستخلص: ليس من السهل أن نعرج على التاريخ بعجالة، في بحث يختصر آلاف السنين من التطورات الفنية والهندسية وما تبعها من أحداث طرأت على العالم وأنتجت طرزًا فنية ومعمارية متنوعة. ونحن إذ نقدم للباحثين خلاصة دراستنا حول تاريخ عمارة المشرق العربي، نفتح الباب واسعًا أمامهم لتطوير هذه الدراسة والإنطلاق منها لما يثري علوم التاريخ الإنساني ويفتح أبوابًا للمستقبل. لأن دراسة المستقبل تنطلق حتمًا من معرفة التاريخ والإلمام به؛ ومن معالجة إشكالياته، وهنا تتبلور إشكالية تاريخ عمارة المشرق العربي وما تطرحه من فصل بين التاريخ الثقافي والحاضر المعاصر، وقد عالجها البحث بمنطق تحليلي نقدي، مستقرءًا من خلال اعتماد المنهجين التاريخي والاستقرائي الاتجاهات التي أثرت على عمارة المشرق العربي بين التقليد والإبداع. فقد توصل البحث إلى أن الإبداع العمراني هو النجاح في ترجمة القيم الجماعية، الروحية والجمالية، عبر ممارسة غايتها التعبير عن مضامين تلك القيم وأصالتها وعقلانيتها. وهي تأخذ هيئة ممارسة ذهنية – عملية مقرونة بالتقنية المهنية وبالتلقائية الحسية وبالوعي العميق الهادف؛ وهنا تكمن أهمية الدراسة في تسليط الضوء على التاريخ الثقافي والوعي بإشكالياته واقتراح الحلول الناجعة. وقد أوصى البحث بضرورة منع حلول قطيعة بين الماضي والحاضر والمستقبل من خلال إدراك سيرورة التاريخ والتكيف مع متغيراته وصيرورته.
The Problematic of the Arab Levant's Architectural History
Between Cultural Heritage and Modernity
Dr. Hussein Sharara
Abstract: It is not easy to walk through history in a hurry in research that summarizes thousands of years of artistic and architectural advancements and what followed from world events that formed varying artistic and architectural styles. Since studying the future begins solely with the understanding of history, if we offer researchers the summary of our study surrounding the history of Arab Eastern Architecture, we widely open the door to those interested in improving this study and offer a foundation to build upon and create what enriches the sciences of human history to open the doors of the future. Because the study of the future inevitably starts from knowing the history and processing its problems; here arises the problem of the architectural history of the Arab Levant and the separation between cultural history and current modernity, and the research has addressed it with a critical analytical logic, by extrapolating through the adoption of the historical and inductive approaches that influenced the architecture of the Arab Levant in terms of tradition and creativity. The study concluded that urban ingenuity is successful in translating spiritual and aesthetic values, collectively, by practicing its aim of conveying the rational and original contents of these values. It takes a form of mental practice - a process encapsulated in professional technicality, sensual spontaneity and deep awareness aimed at preventing a break between the past, the present and the future by recognizing the process of history and adapting to its variables and status. The research recommended the need to prevent rupture solutions between the past, present, and future, by recognizing the process of history and adapting to its variables and status.
كلمات مفتاحية:تاريخ، تحقيب، عمارة، المشرق العربي، الحداثة، النهضة، المعاصرة، التاريخ الثقافي.
يرتبط الحديث عن العمارة بمسألة عميقة ذات دلالات ثقافية واجتماعية، هي علاقة الإنسان بتاريخه القديم والحديث وبيئته التي نشأ فيها. فمتى فهمنا فلسفة التاريخ وحيثياته، أدركنا البعد الراهن والمستقبلي لتاريخ العمارة في المشرق العربي في ضوء التطورات والاتجاهات المتغيرة. ومن خلال فهمنا لروابط الحاضر مع الماضي تصبح كيفية التعاطي مع العمارة محدّدة المعالم والاتّجاهات. هكذا ندرك الفارق بين تاريخ العمارة وإشكالياتها، وبين الهندسة المعمارية كعلم تطور أكاديميًا منذ منتصف القرن التاسع عشر.
ينطلق البحث في تاريخ عمارة "المشرق العربي"[2]من رصد المعطيات التاريخية ودراستها، فدراسة التاريخ تتفرع باتجاهين أساسيين: الإتجاه الأول دراسة المصادر التاريخية من كتب ومراجع ودراسات وضعها مؤرخون أو باحثون، قد يجد الباحث فيها اختلافات عديدة لأنها تأخذ في بعض الأحيان الطابع الوصفي التحليليوالآراء الشخصية. والإتجاه الثاني يعتمد على الأركيولوجيا (علم الآثار) وهو علم واضح ذو موثوقية عالية نظرًا للشواهد الموجودة المعاينة بالنظر، ولكن هذا العلم يحتاج أيضًا للرصد والاستكشاف بناءً على معطيات مادية وعلمية من مواقع مختلفة وفاقًا للترابط الجغرافي والتسلسل التاريخيوربطهما بالسياق (Context).
إن مسألة "علمية" التاريخ، أثارت إشكاليات وجدلًا بين مؤيدين له كعلم بالارتكاز على قاعدتين: الإستقراء والقانون، وبين نافين، حجتهم أنه يتعاطى مع المجهول. ولا شك أن لكلا الطرفين آراء مؤيدة وأخرى مناقضة. كما انقسم المتعاطون بالتاريخ إلى: مؤرخ لم يعاين الأحداث بالمشاهدة، وآخر إتكأ على ميله هنا ورفضه هناك، وإلى من اعتمد السماع دون تثبت، وآخر كتب بلسان السلطة. وهنا تتجلى إشكالية دراسة التاريخ في أنها لا تعتمد على منهاجٍ واحد بل تخضع لرؤى متشابكة حينًا ومتناقضة أحيانًا. وتكمن الإشكالية في تعدد المصادر التاريخية لعمارة المشرق العربي، وفي تحول هذا التاريخ إلى تراث متحفي بترته الحداثة عوضًا عن استمراريته كإرث حضاري. وكيف أدت النهضة الأوروبية وحداثتها إلى انقطاع تحقيب تاريخ العمارة المشرقية؟. وهل يمكن لدراسة آثار المشرق العربي في ضوء تاريخ العمارة بكلياته وجزئياته الوظيفية والجمالية والرمزية أن يشكل إستمرارية حضارية؟. وتاليًا إنتاج تاريخ جديد مبني على الإرث الحي وليس التراث المتحفي؟.
إنطلاقًا من هنا، ومن خلال هذا الفصل بين الأزمنة والحقبات وفاقًا للسياقات التاريخية (Historical Contexts)التي مهدت لحلول أسلوب مكان آخر، نسعى لدراسة تاريخ عمارة المشرق العربي بهدف الاستفادة من مندرجاته وتوظيفها في العمارة المعاصرة،وإلى استكشاف الأنماط المعمارية وأساليبها وهو أبعد من دراسة الجماليات الفنية. من هنا يتبلور ما يسمّى بالنضج التاريخي الذي مهّد لولادة مبادئ العمارة المشرقية. عوض استلهام المعاني من الاطار النظري التواتري الذي أنتج رؤية قديمة. راهنًا ينكفئ أبناء الحاضر عن قراءة التاريخ بروحيّة معاصرة، فتصبح مسألة الإتجاه المتبدّل والشروط الحياتيّة المتغيّرة، ثانويّة، بل هامشية أمام القيمة التّاريخيّة للارث المادّي الذي تركته لنا حضارات المشرق العربي. من هنا، ومن خلال هذا البحث نهدف إلى استقصاء أثر التحقيب على دراسة تاريخ عمارة المشرق العربي وكيف أدى التعميم إلى إلتباس في التعريفات والمصطلحات الرئيسة. وإلى رصد ظاهرة تفشي التراث المتحفي وأثرها على الإرث الحيوإعادة تفسير التاريخ بنظرة تأصيلية معاصرة.
الفرضيات
ربط البحث بين الحداثة المبكرة التي بدأت في عصر النهضة من جهة، وبين انقطاع التواصل مع التاريخ المشرقي والإرث المعاصر من جهة ثانية. كما افترض أن عمليات التوثيق التاريخية للآثار المشرقية شابها الإستشراق والمرجعية الغربية. وأنه لم ينشأ علم آثاري مشرقي ينتج إنسيابية تاريخية في عمارته. لذلك انقطع التواصل في دراسة آثار المشرق وتُرك للغرب تحديد هوية تاريخ العمارة فيه وفاقًا لرؤيته الخاصة. وأشار البحث إلى دور علم الآثار كأداة في إحياء تاريخ الحضارات وتوثيقه. وافترض وجود صلة بين إعادة دراسة التاريخ واستكشافه وبين استعادة الإرث المشرقي.
ارتكز البحث بشكل رئيس على المنهج التاريخي واحتوى على مقدمة وثلاثة أقسام وملاحق المصادر والمراجع وكشاف أسماء العلم. ناقش القسم الأول جدلية التاريخ والتأريخ وكيف أدى التحقيب الغربي إلى تحول في الأنموذج المشرقي العربي، أما القسم الثاني فقد استكشف إشكاليات التاريخ الثقافي في ضوء الجدلية القائمة بين الإرث والتراث وناقش العلاقة بين النمط والطراز وتوظيفهما في إعادة تفسير التاريخ. وقد ناقش القسم الثالث وضع قراءة جديدة لتاريخ عمارة المشرق في ضوء ثلاث تجارب استخدمها كأداة مقترحة. حدد البحث حدوده المكانية في منطقة المشرق العربي ابتداءً من عصر النهضة وحتى القرن العشرين كحدود زمانية.
القسم الأول: جدلية العلاقة بين التاريخ والتأريخ
منذ بداية القرن التاسع عشر وُضعت أسس دراسة علم التاريخ بصفته الأداة الرئيسة لدراسة الماضي. "فقسم إلى حقب زمنية (Periods)"[3]كل حقبة لها خصائصها التاريخية. والتاريخ كما وصفه مسعود ضاهر "يتضمن نشاط الناس الطبيعي في مختلف المجالات، أما التأريخ أو الكتابة التاريخية فيقوم به المؤرخ الذي يدوِّن ما صنعه الناس من أعمال مادية أو وثائق تاريخية تدل على نشاطاتهم"[4]. ويتهيب العديد من المؤرخين التسليم بحتميات نهائية في دراستهم لتاريخ الأمم وهو ما عبر عنه جبرائيل جبور في مقدمة كتاب (تاريخ العرب) من أنه "قليلون هم المؤرخون الذين استطاعوا أن يجملوا التاريخ"[5]. ولا ينفصل علم التاريخ عن الأركيولوجيا (Archeology) أو علم الآثار، فهذا العلم مادته الرئيسة التنقيب والمكتشفات الآثارية التي وثقت تاريخ الحضارات ولا زالت تكشف لنا المزيد من خفاياها. إنطلاقًا من هنا سنناقش في هذا القسم العلاقة بين التحقيب والتأريخ وعلم التاريخ وكيف أدت الاكتشافات الآثارية إلى توثيق هذه العلوم لكي نتمكن من الإجابة على فرضية البحث التي أشارت إلى دور علم الآثار في إحياء تاريخ الحضارات وتوثيقه.
التحقيب
التحقيب (Periodization)هو تصنيف أو تقسيم الزمن - التاريخ إلى فترات منفصلة ومركَّبَة، "والحِقَب، الحِقْبةُ من الدَّهر: المدة لا وقت لها"[6]. يصف سيار الجميل التحقيب بأنه "هدف معرفيّ ووصفيّ تجريديّ يوفّر معالجة مفيدة للتاريخ البشريّ"[7]؛ من هنا، سنناقش عدة نظريات لاستقصاء ظاهرة التحقيب وتأثيرها على التاريخ للإجابة على إشكالية البحث التي ربطت بين التحقيب وضياع الإرث المعماري المشرقي.
أرجع جاك لوغوف التحقيب إلى علم الأديان، إذ "يبدو التاريخ أولًا – على غرار الزمن الذي هو مادته وكأنه مستمر، بيد أنه خاضع كذلك للتغيرات. ومنذ مدة طويلة، حاول المتخصصون رصد هذه التغيرات وتعريفها، وذلك باقتطاع أقسام من الإستمرارية سموها أولًا عصور (Ages)، ثم حِقب (Periods)"[8]. "احتلت مسألة التحقيب التاريخي مركز الاهتمام في العلوم الانسانية والاجتماعية، إذ ما انفكت تثير نقاشًات متعددة الاختصاصات تجدد اشكالياتها ومقارباتها، اهتم الدارسون في العالم الغربي بهذا الموضوع منذ قرون لكنه لم يحظ باهتمام كبير في البلاد العربية والاسلامية"[9]. على الأقل منذ عصر النهضة.
إستخدم التحقيب لتقسيم الزمن وخضع سابقًا لسلطة رجال الدين الذين طبقوه وفق منطق لاهوتي بالرجوع إلى مناهج الكتب المقدسة. وأول من قسم التاريخ إلى حقب هو النبي دانيال وفاقًا لرؤية رآها ربطت بين حيوانات وممالك أربع يفترس بعضها بعضًا. تلاه القديس أغسطينوس (Saint Augustin)خلال العصر الوسيط الذي ميز بين ست حقب "أولها من آدم إلى نوح، الثانية من نوح إلى إبراهيم، الثالثة من إبراهيم إلى داوود، الرابعة من داوود إلى السبي البابلي، الخامسة من السبي البابلي إلى ولادة المسيح والسادسة هي الحقبة القائمة وتدوم إلى آخر الأزمنة"[10].
وقد اعتمدت الديانات السماوية التي تؤمن ببداية الخليقة والآخرة التحقيب الثلاثي اللاهوتي (الاسكاتولوجي) الذي كان من القوة بمكان جعل مفكري عصر النهضة يأخذون به لأنه أصبح جزءًا من المسلمات المجتمعية. وتبنى المفكرون العرب المعاصرون التحقيب الأوروبي الجديد الذي قسم الزمن التاريخي إلى: 1- ما قبل التاريخ وهو الزمن الذي سبق ظهور الكتابة. 2- قديم ابتداءً من ظهور الكتابة وحتى سقوط روما العام 476م. 3- وسيط ابتداءً من 476م وحتى 1492م ارتبط بالمد البشري الذي انتشر في غرب الامبراطورية الرومانية. 4- حديث ابتداءً من 1492م وحتى 1789م وهي الفترة التي نهضت فيها الحضارة الغربية بعد الثورة الفرنسية والثورة الصناعية. أضافت عليه المدرسة الفرنسية الصاعدة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حقبة خامسة جديدة أسمتها (الزمن المعاصر).
هنا برزت إشكالية البعد المعرفي، لأن هذا التحقيب اتخذ بعدًا معرفيًا كونيًا ابستمولوجيًا اختص
بالتاريخ الأوروبي ولم يلحظ خصوصية التاريخ المشرقي. هذه الإشكالية قسمت المفكرين العرب إلى فريقين: الأول تبنى التحقيب الإسلامي (العصر الجاهلي والعصر الإسلامي)، هؤلاء أخذوا بتقسيم الزمن إلى أجيال وطبقات، وإلى حوليات أي التقسيم السنوي. وإلى الزمن الحولي عند اليونانيين. "فأدى اعتماد (زمن الدولة) إلى إعادة إنتاج التحقيبات السابقة إلى حدود حصول وعي بالزمن الحاضر مع رواد النهضة في العالم العربي الإسلامي خلال القرن التاسع عشر. الفريق الثاني تبناه (السلفيون) وهو زمن السلف الصالح الذي مثّل ظاهرة التواتر في الحضارة العربية الإسلامية. ظهر هذا التيار في القرن التاسع عشر وهو لا يعترف بالزمن الحاضر وبراهينه"[11].
لكن خلال النصف الثاني من القرن العشرين استنبط المفكرون والفلاسفة الغربيون تحقيبًا ثلاثيًا جديدًا للزمن التاريخي قام على مركزية الحداثة: 1- ما قبل الحداثة، 2- زمن الحداثة، 3- ما بعد الحداثة، ما يدلل على دينامية الفكر الغربي في تطورية الأنموذج عوضًا عن تغييره وهو المصطلح الذي صاغه توماس كون (Thomas Kuhn)العام 1959م، فإن التحول الدلالي من الحداثة إلى المعاصرة مثّل "نقلة في الأنموذج (Shift Paradigm)[12]"[13] وتحول في التفكير الذي وفقًا لـ (Kuhn)لم يتطلب الرفض المطلق للأنموذج السابق (Previous Paradigm)(أي الحداثة)، ما يؤكد على حالة الإستمرارية مع الحداثة لا القطيعة، وهذا ما يفسر إضافة المدرسة الفرنسية حقبة المعاصرة على التحقيب الثلاثي القديم. مع أن باتينا لي (Patina Lee)جادلت "أن المعاصرة تتحرك دائمًا إلى الأمام، وتاليًا فإن تأريخ الحاضر يبدو مسألة صعبة"[14].
ولما كان التحقيب يرتبط بخلق مواصفات لكل حقبة. وإذا ما سلمنا بالتقسيمات التي ذكرناها، فإن هذا التتابع خلق إنفصالًا بين الذات والموضوع في التاريخ المشرقي أنتجته الحداثة من خلال انقطاع التواصل بين الحقبات وتوقف الاستمرارية التطورية. هذه النتيجة تجيب على فرضية البحث التي ربطت بين الحداثة من جهة وانقطاع التواصل بين التاريخ المشرقي والإرث المعاصر من جهة ثانية ما أدى إلى تغيير في الأنموذج (Change Paradigm) عوضًا عن تطوره.
الحضارة بين التأريخ والتاريخ
تشير المعاجم إلى أن "التأريخ هو تعريف الوقت"[15] "وتعيينه (Date)فتقول تأريخ الشيء أي وقت حدوثه"[16]، واللفظ من المفردات التي تعني شتى العلوم. والتاريخ يعني الماضي بما يشمل من طبيعة وجغرافيا وعلوم وحضارات. "فتاريخ الأمم: مؤلَّف يسرد الأحداث بالتسلسل"[17]. ولا سبيل إلى دراسة التاريخ المعاصر بغير الرجوع إلى ما سبق من أحداث مرت بها الشعوب، ولا كذلك بالقياس إلى التاريخ الحقيقي لمختلف الحضارات الإنسانية بأسلوب ومنهج واضح بعيدًا عن المبالغات؛ حتى تتضح الصور الحقيقية التي إذا ما جمع بعضها إلى بعض وجدنا أننا حيال فسيفساء إنسانية للحضارات فيسهل عندئذ تفهم التاريخ الحقيقي للحضارات الإنسانية.
وعبر الحقب التاريخية تبلورت اجتهادات متعددة أبرزها أن "الكتابة التاريخية لا تقتصر على سرد أحداث الماضي والحديث عن الشخصيات البارزة بل تتضمن ما قام به الناس من أعمال مادية وثقافية مثبتة في المكان والزمان"[18].وهو ما نعبر عنه بالحضارة، وسنستخدم مصطلح الحضارة لقياس ظاهرة تأثير التحقيب التاريخي على توثيق أصول حضارات المشرق وللإجابة على فرضية البحث التي اعتبرت أن عمليات التوثيق التاريخية للآثار المشرقية شابها الإستشراق[19] والمرجعية الغربية. وأنه لم ينشأ علم آثاري مشرقي ينتج إنسيابية تاريخية في عمارته. لذلك انقطع التواصل في دراسة آثار المشرق وتُرك للغرب تحديد هوية تاريخ العمارة فيه وفاقًا لرؤيته الخاصة.
ناقش أرنست بابلون أن من يعتبر التاريخ علمًا، يتوسلون في كتابته منهجًا موضوعيًا قوامه المراحل الأربع الآتية:
وقد اختار خزعل الماجدي تأريخ الكون في كتابه (تاريخ الخليقة) بأربع محطات كبرى "الكون، الأرض، الحياة والإنسان"[21]، وهو من المؤرخين المعاصرين الذين يعملون على إعادة كتابة تاريخ المشرق بمنهجية علمية معاصرة بالاعتماد على المصادر والمراجع التاريخية، على عكس فراس السواح الذي يركز على المخطوطات وعلم الآثار في مقاربته للتاريخ. وهو ما نستدل من خلاله على إختلاف وجهات نظر المؤرخين في مقاربة تحقيب التاريخ ما يعزز إشكالية البحث التي أشارت إلى التناقض التاريخي. وهذا ما أكده مسعود ضاهر بإرجاعه مفهوم «التأريخ» إلى "عمل المؤرخين ومناهجهم المتعددة في كتابة التاريخ وفق رؤى علمية، فلسفية، أدبية وأيديولوجية متنوعة، ومتناقضة أحياناً"[22].هذه المقارنة تبرز الاختلافات بين علم التأريخ القديم والمؤرخين المعاصرين في كيفية مقاربة تاريخ الحضارات وفق رؤى متنوعة "إما بالنسبة لتاريخ عالمي مفترض أو بالنسبة لتاريخ حضارة ما بين ظهورها وسقوطها أو بالنسبة لتاريخ أمة أو بلد أو جماعة"[23].
أثبتت الدراسات التاريخية والأبحاث التي اعتمدت على علم الآثار إدراك الإنسان لأهمية العمارة منذ عصر الكهوف. وما مثلته من أبعاد وقيم اجتماعية، ثقافية ودينية. فقد فسر حسان سركيس الأركيولوجيا، بأنه "علم يسمح بتعرّف الماضي من خلال دراسة الأشياء المادية التي صنعها الإنسان منذ أن بدأ يعمر الأرض. ويعتمد في ذلك وسائل متعددة وتقنيات متنوعة تسهم في استحضار البنى الاجتماعية والإقتصادية ومظاهر الفكر الديني وممارساته والانجازات التقنية والثقافية"[24]. بينما فسره أرنست بابلون (Ernest Babelon)بأنه "علم الأشياء القديمة وخصوصًا الفنون والروائع العتيقة" طبقًا لتعريف القاموس، لكن بابلون توسع في تعريفه بأنه بَعْث البشر من الماضي حياةً وأثرًا"[25] وهو حدد مسألتين لتعريف الأركيولوجيا هي: التنقيب، وبحث المآخذ والمراجع أو الاستقصاء. لكنه عاد وقسمه إلى حِقب تاريخية هي: "الأركيولوجيا التحمائية (L’archeologie sous marine)، أركيولوجية ما قبل التاريخ، الأركيولوجية القروسطة (Medievale)، الرومانية، اليونانية والمصرية وغيرها"[26]، طبقًا لمنهاج التحقيب الغربي.
لا ينفصل علم الأركيولوجيا عن تعريف مصطلح الحضارة لأنه جسّد هذا المعنى عبر العصور بشكل مادي وليس نظري. على أن لفظ (حضارة) (Civilization)لم يكن يومًا مسلمة وإن كان المقصود به عكس (همجية)، فالمفكر فولتير (Voltaire)أحجم عن استخدام لفظ الحضارة، برغم إدراكه حقيقة معناها في مؤلفه الذي صدر العام 1756م بعنوان (دراسة سلوك وعادات وتقاليد الأمم) وكانت هذه الدراسة خاصة أول محاولة تأريخية جادة عن الحضارات. ونجد أن بعض المقاربات وضعت تفسير الحضارة مساويًا للثقافة كما في أوروبا إذ فُسرت بكلمة (Culture)بمعنى الثقافة وصار لفظ ثقافة صنوًا للفظ حضارة، إلى أن استخدم هيغل (Friedrich Hegel)اللفظين دون تمييز بينهما. من هنا، نستنتج أنه لا يمكن مقاربة تاريخ حضارات المشرق بالمنهجية التواترية التاريخية التي ناقشنا إشكالياتها، من دون تشريح علمية هذا التاريخ بالنظر إلى ثلاثية: التحقيب والتأريخ والأركيولوجيا. وقد استخدمنا هذه المحددات الثلاث كأداة لقياس الإشكالية التي خلصنا إلى أنها تشكلت بسبب انقطاع تطورية التحقيب التاريخي في المشرق العربي عندما اكتفى العرب بالتحقيب الإسلامي (الجاهلية والإسلام) وصولًا إلى منتصف القرن التاسع عشر عندما انقطع التحقيب بسبب عدم وجود توثيق أركيولوجي عربي أو مشرقي يؤسس إلى الاستمرارية مع التاريخ الثقافي. وهو ما سنناقشه في القسم الثاني لرصد العلاقة بين تغيير الأنموذج وبين عدم تطورية الإرث المعماري المشرقي.
القسم الثاني: ثنائية المتحرك والثابت في التاريخ الثقافي
أدى الفكر الإستشراقي منذ منتصف القرن التاسع عشر إلى تشكيل هوية ثقافية مشرقية قامت على التحليل الشكلي للأعمال المعمارية، وخضع تصنيف عمارة المشرق العربي لفلسفة التاريخ الغربي القائمة على التحقيب التاريخي إنطلاقًا من ثنائية: التواصل التاريخي والدروس والعبر. خلافًا لفلسفة التاريخ المشرقي التي قامت على ثنائية التفكر – التأمل، والتنوع في الوحدة. هنا، برزت الهوة بين التحقيب المشرقي الذي انقطعت سيرورته في التواصل مع التاريخ الثقافي وبين الإرث المعماري. وعندما نتناول المسألة المتعلقة بتتابع العصور والتواصل التاريخي؛ فنحن نسعى إلى دراسة حالة خاصة: هي الحداثة المبكرة التي أذابت التاريخ الثقافي المشرقي وخلقت تأريخًا جديدًا تجلت آثاره في عولمة تاريخ حضارات المشرق وهو ما سنناقشه إنطلاقًا من إشكالية ضياع الإرث المعماري.
عندما نقرأ أعمال جيري بنتلي (Jerry Bentley)في تحقيب تاريخ العالم، "ندرك أن أفكاره وتطبيقاته بـ) عبر التفاعل الثقافي(قد استلهمت بشكل أكيد من الثقافة التاريخية العربية"[27]،وهنا لا بد من الإشارة إلى إحصاء الفارابي للعلوم، والكندي عن مسافات البحار، وأفكار الجاحظ حول النشوء والتطور، وعلْمَ البلدان لابن خرداذبة، وعِلْمَ العمران البشري لابن خلدون، وتدوين الحوليات التاريخية وفق التسلسل الزمني للطبري، والمعرفة الموسوعية للمسعودي، ومدرسة حنين بن إسحاق في الترجمة، والقلقشندي في الإنشائيّات، والأغاني لأبو الفرج الأصفهاني، أمّا في الجغرافية الإنسانية عند العرب والمسلمين؛ كما يُسمّيها المستشرق الفرنسي أندريه ميكال؛ فلقد كانت ينبوعا معرفيّا للجغرافية التاريخية التي تطوّرت تطوّرا كبيرا في القرن العشرين.
تشهد حركة التاريخ الثقافي المشرقي على دينامية تركت بصمة مسيطرة في تاريخ الأمم. فالتاريخ الثقافي في أساليب بحوثه الحديثة لا يقتصر على درس بياناته الحديثة، بل يشمل معلومات وإحصاءات قديمة في كتب ومخطوطات ووثائق وموسوعات، ويُعَدّ الفارابي أول مؤسس لهذا النوع من التاريخ الكميّ الثقافي، وهو ما تجلى في كتابه (إحصاء العلوم). هنا، ناقش سيار الجميل وجهة نظر (Hegel) ومفادها "أن التاريخ البشري يتألّف من مراحل مختلفة، في كلّ منها تظهر الروحية الكونية ذاتها في روح أو إرادة معيّنَة مجتمعية أو وطنية؛ هذه الروح (الإرادة) تسيطر في عصرها، ولكن لها حدودها، وعندما تهمل هذه الحدود، فإن روحا جديدة تنبعث في شعبٍ آخر"[28].
هذا ما يفسر تقاعس المؤرخين المشرقيين المحدثين عن استمرارية توثيق عمارة المشرق منذ القرن التاسع عشر، إذ تلقفتها حركة الإستشراق التي نشطت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ووثقتها بروح الثقافة الغربية. هذه الحالة عالجها وليد السيد بنظرة نقدية عندما اعتبر أن "عامل الإنبهار الثقافي بكل ما هو غربي في مقابل النظرة الناقدة لكل ما هو تراثي"[29] أدى إلى التخلي عن ثقافة التحقيب المشرقية لصالح التسليم بالثقافة الغربية. فضلًا عن عوامل التغيير السياسية والديموغرافية والإجتماعية والإقتصادية. لكن هذه التغيرات التي شهدتها الكثير من الدول العربية ظلت محلا للتأمل العميق والقراءة المتأنية لعوامل حركيتها ومحركاتها، والتي غالبا ما دفعتها باتجاه الحداثة على حساب الأسس والخلفيات التاريخية والتقليدية التي أسست لها على مدى عقود من تاريخ تكوينها.كما اعتبر وليد السيد أن التبعية الفكرية للغرب أدت إلى تبلور الحركات المعمارية والنظرة للعمارة في العالم العربي خلال القرن العشرين وناقش "أن هذا العامل هو المحرك والباعث لنشأة العمارة العربية المعاصرة"[30]. وعزى هذا الخلل لسوء تدريس مادتي نظريات العمارة وتاريخها مع غياب الكتابة الأكاديمية.
تعرف معاجم اللغة "الإرْثُ: الأَمر القديم تَوارَثه الآخِرُ عن الأَوّل"[31]، "فصار ميراثًا له"[32]. وجاء في القرآن "وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ"[33] أي انتقلت له النبوة. فالإرث أو الميراث هو الشيء الذي ينتقل من شخص لآخر ويشكل إستمارارية عبر الزمن. أما التراث فهو "الأثر الذي خلَّفته الحضارات أو تركته الأجيال السابقة وله قيمته الوطنية أو العالمية، ويسمى بالتراث الشعبي التقليدي"[34]. ويقال "أصبح أثرًا بعد عين" أي زال. "وقد تميز العرب عن غيرهم من الشعوب بميراث ضخم يُعنى بالسِّيَر والتراجم، وهو ما يخدم في بناء المجايلة التاريخية"[35]. والفرق بين الإرث والتراث أن الأول ينتقل من الماضي إلى الحاضر، أما الثاني فيغيب من الحاضر ليكون في الماضي، إذ لا يمكن إطلاق صفة التراث على الحاضر، بينما يصح العكس إذ ورد في القرآن الكريم "لله ميراث السموات والأرض" والمقصود به الملك الحاضر، الدائم والمستمر.هذه المقارنة تفسر لنا حيوية الإرث الذي سنتخذه أداة في إحياء تاريخ عمارة المشرق العربي وبعث أنماطها وطرزها المعمارية لإعادة وصل إنسيابية التاريخ. وقد أكد قسطنطين زريق على "أن أي فصل بين أجزاء الحياة المتماسكة أو تقطيع خيوط التاريخ المستمرة، أو إقامة سد مصطنع في مجرى التاريخ المنساب، يقف دون فهمنا الصحيح للحياة البشرية وحكمنا الصادق لها أو عليها"[36].
من هنا، تحول الإرث المعماري المشرقي إلى تراث متحفي ينتمي إلى الماضي عوضًا من أن يشكل ميراثًا حضاريًا ينتقل بالإستمرارية والتطورية من خلال منهاج تحقيبي عصري، ودراسة الطرز المعمارية وتَشَكُل النمط (Typo morphology) الذي يمهد لتطورية الأنموذج (Shift Paradigm).
ارتبط كل من الإرث والتراث بالثقافة. إذ تعتبر الثقافة مكونًا حضاريًا ومفهومًا يضم عنصراً نقياً ودافعاً إلى السمو. والثقافة بهذا المعنى مصدر من مصادر الهوية، وهي مصدر صدامي أيضاً، كما نراها في حالات الرجوع إلى الثقافة والتراث. ويرتبط الإرث المعماري المشرقي بالنمط والطراز. فالنمط (Type) يمثل خطًا معينًا، إذ كما عرفه الفيلسوف (QuatremereDeQuincy)فكرة لعنصر يعمل كقاعدة للأنموذج، وهو شيء يشع بالمعنى. قارب ماكس ويبر (Max Weber)"النهج الفنّي التّاريخيّ باستخدام التحليل التشكلي والنمطي(AnalysisMorphological & Typological)[37]. وقد قام النمط التشكلي في المشرق على مبادئ وأسس لها رمزية ودلالات في الفكر والثقافة، وهذا ما نسخته الحداثة التي تبناها العرب من دون دراسة آثار منهجية التأريخ الغربية على نمطية العمارة المشرقية. "فالحداثة السليمة على قاعدة نشر العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة هي المدخل الأساس للانتقال من التاريخ العبء إلى التاريخ الحافز، والمشاركة في الثقافة الكونية من باب الإبداع الثقافي وليس استهلاك ثقافة الآخرين"[38].
بينما ربط (Hegel) الطراز (Style)بالثقافة السائدة وبالنتاج الكلي لكل حقبة. وربطه أرنست كامبرج (Ernst Gombrich)بالزمن، وبالفترات الزمنية المتعاقبة أو التحقيب (Periodization). وربطه جوليان ليزارت (Julian Leathart)بالمواد وطبيعة الإنشاء والتخطيط المعماري. وهو الأسلوب والإتجاه الذي تتخذه حضارة ما ويظهر في عمارتها وفنونها وثقافتها. وهو مهم في بحثنا لأنه دليل إلى إعادة إحياء تاريخ العمارة.
وقد أشار أدوارد برايان (Edwards Brian) إلى أن "كل حضارة حددت الأنموذج من خلال الدراسة النمطية في اتجاه معين وفاقًا لثقافتها ومفاهيمها التاريخية"[39]. فالنمط المعماري الجلي في العمارة المشرقية ومبادئها هو تشكيل المباني في إطار بنية تصميمية مستدامة، تطورت من خلال فهم المعماريين الواعي المتجاوب مع الطّبيعة والتّخطيط الحضري والعامل الإجتماعي. إن ما يعنينا من تشكل النمط هو إعادة دراسة الإرث المعماري وصياغته بشكل معاصر وفق منهجية تحقيبية تعيد التاريخ الثقافي المشرقي إلى الواجهة وفق أربعة أسس: التقميش، النقد، التأويل والصياغة.
القسم الثالث: ثقافة المؤرخ ودوره في تجديد تاريخ العمارة
عرفنا الثقافة بأنها صنو للحضارة، إذ لا يمكن لمؤرخ العمارة مقاربة إشكاليات عصره ومنطقته بأساليب غريبة عن حضارته. وعليه أن ينتمي لمشروع قيمي ثقافي يعيد من خلاله تشكيل الوعي بالثقافة المعماريةوالذاكرةالمكانية من خلال دراسة الأنماط والطرز المحلية وتوثيقها وفق منهاج علمي يلحظ في أدواته المخطوطات وعلم الآثار. هنا، وضع إدوارد سعيد فكرة التحقيب التاريخي جانبًا وذهب إلى موقف جديد "يربط بين المثقف والقيم الأزلية التي تفيض على أي تحديد زمني، ووصل في موقفه إلى تعريف جديد للمثقف يقول: إن المثقف هو الذي يدافع بشكل ثابت عن قيم أخلاقية ثابتة إنطلاقًا من واقع ملموس"[40]. وهو نتاج تفاعل المثقف مع البيئة لاستظهار الحاضر الحي حسب إدموند هوسرل (Edmond Husserl). أو تحيين التاريخ كما قال أدونيس وهي لحظة تتداخل فيها الذاكرة والمتخيل والواقع في نسيج متشابك.
موقف سعيد التأصيلي قابله موقف مفهوم لدنيس كوش (Denis Koch)في كتابه (مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية) دعا من خلاله إلى الانفتاح وتقبل ثقافة الآخر، إذ اعتبر أن "كل الثقافات تمر بحالات تطورية متفاوتة السرعة والعمق، وكل الثقافات تتآممر على أصحابها ولو لمجرد إبقائهم داخل دائرتها المقفلة"[41]. لذلك تم ابتداع مفهوم التثاقف (Acculturation) الذي يشير إلى التلاقح الحضاري والتبادل الثقافي حتى لا يصاب المثقف بالجمود والتصلب والسلفية التاريخية.
عزى وليد السيد ضعف توثيق عمارة المشرق إلى انكفاء دور النشر معتبرًا أنه "لا تكاد تجد في العالم العربي مجلات رائدة متخصصة ورصينة. وليست هناك دار نشر عربية واحدة تعنى بالنشر العمراني الفاعل والمتخصص بالكتب المعمارية أسوة بدور النشر العالمية التي تعنى بالفن والعمارة"[42]. والمفارقة الكبرى أن أبرز من صنف تاريخ العمارة المشرقية ووثقها كانوا أجانب مثل:
وقد برز العديد من مؤرخي العمارة المشرقيين والعرب، نذكر منهم:
وقد اعتبر أودو كولترمان (Udo Kultermann)"أن العمارة العربيّة في أواسط القرن العشرين لم تُستكشف وبقيت مجهولة بسبب عدم توثيقها"[43]. لكن بعض المبادرات شكلت محطات مضيئة في حركة التوثيق، "كالمبادرة التي أطلقها قسم الهندسة المعمارية في كلّية الفنون الجميلة والعمارة في الجامعة اللبنانية العام 2018 م"[44]في مشروعِ توثيق وترميم البيوت الطّينية في منطقة شمسطار في لبنان بالتعاون مع بلدية شمسطار. إذْ عمل القسم مع الطلاب على توثيق عمارة هذه البيوت ودراسة فضاءاتها وربطها بالعاداتالاجتماعيةوالتقاليد التي يمارسها الناس فيها. والهدف من هذا المشروع توثيق هذه المعالم وحفظها للأجيال القادمة، وتقديم مقترحات للهيئات البلدية والرسمية للمحافظة عليها وتطويرها، أو إعادة إحيائها، وتأصيل أهداف الطلاب الأكاديمية إزاء ثقافة مجتمعهم المحلية.
كما قامت الجامعة الأميركية في بيروت (AUB) بمبادرة ممثالة من خلال تمويل مشروع توثيقِ مباني الحقبةِ الكولونياليّة في بيروت الكبرى بالتعاون مع طلاب قسم الهندسة المعماريّة، وبإشراف المهندس المعمار روبير صليبا، حيث أنجزوا توثيق ورسم معظم المباني المصنّفة تراثيّة ونشرها ضمن كتابَيْن صدرا باسم المهندس صليبا[45].
تبرز مشاريع التوثيق قيمة تاريخية العمارة من خلال توثيق خصائصها للأجيال القادمة للإستفادة منها، بهدف تطويرها أو إعادة استخدامها وربطها بالبعد الاجتماعي. وإطلاق مثل هذه المبادرات على مستوى المشرق من شأنه تعزيز الشعور بالهوية الثقافية وإعادة تفعيل الذّاكرة الجماعية، وتقديم مقترحات وحلول لحفظ وصون التراث المشرقي وإحيائه. هنا، رأى ياسين السيد "أنّ المطلوب هو العثور على المعادلة الصحيحة بين الإحتماء بالتّراث والإنفتاحِ على النظام العالمي وهي مسألة تتضمن تحدياتٍ نظريةٍ وتطبيقيةٍ تحتاج إلى إنفتاح فكري وإلى جهودٍ جماعيّةٍ من المثقفين العرب على اتجاهاتهم كافة"[46].
لا يمكن قراءة التاريخ من خلال شواهد مبهمة أو مهملة؛ فالتّوثيق يحدّد آليات الإستفادة من هذا التاريخ.وهو ما يحتاج لعمليات دراسة وإعادة تفسير منهجية. إنطلاقًا من هنا سنناقش ثلاث حركات تاريخية ونرصد مرجعيتها في التاريخ الثقافي:
أولاً - عصر النهضة (Renaissance): إعتبر عصرًا تنويريًا بلغت فيه الحضارة الأوروبية أوجها من خلال الأفكار الحديثة والرؤى الجديدة التي تأثرت بالكلاسيكية. إذ أشارت إيميلي كول(Emily Cole)إلى أن "نهوض الطراز الجديد كان موجهًا باهتمامات ومظاهر الثقافة القديمة مثل الأدب والفلسفة والرياضيات، وأن الحكام أدركوا أهمية دراسة تاريخ العمارة في نهضة الأمة"[47]، "لذلكبدأ الإهتمام بالثقافة الكلاسيكية وكأنها انبعثت من جديد، من هنا جاء مصطلح النهضة (Renaissance)أو (Rebirth)"[48]. إنطلاقًا من إعادة دراسة تاريخ الكلاسيكية وتفسيرها، وإرساء أسس حديثة "بما أن النهضة طبعت من خلال الخيالات الثلاثة: التمثيل، المنطق والتاريخ"[49].
ثانيًا- النيوكلاسيكية (Neoclassicism):اعتمدت على أربعة مبادئ "علم الآثار(Archaeology)، المخطوطات (Printed sources)، نقاوة الهياكل والرومانطيقية (Romanticism & Structural Purity) وعلى المباني الاغريقية والرومانية القديمة (Ancient Greek & Roman Buildings) بعد دراسة كتلها وفراغاتها الانشائية والمعمارية"[50]. فقد "أقام الشقيقان روبرت وجيمس آدام (Robert & James Adam)في إيطاليا ودرسا الآثارات الرومانية ووثقاها في كتاب حول العمارة الكلاسيكية القديمه (The Works in Architecture)"[51].
إعتبر آلان باونيس (Bowness) "أن لجوء المهندسين إلى العمارة التاريخية في أواسط القرن التاسع عشر حُسِبَ أمرًا مقبولًا، بل مفضلًا. وقد كانت الأصالة ممكنة حتى في ظل الأقانيم السائدة آنذات كما يتضح ذلك في تصاميم وليم بترفيلد (William Butterfield)الكنسية، واتبعه جورج ستريت (Georges Street) بأصالته الفيكتورية. واعتبر (Bowness) انهما نميا نزعة جديدة في العمارة شاعت بين المتنورين، وأنه يجب ابتكار نوع جديد من العمارة الحديثة على غرار الرسم الحديث الذي كان يتبلور في العصر ذاته"[52].
ثالثًا- طراز البيت اللبناني: في القرن السابع عشر قام البطريرك أصطفانوس الدويهي على رأس الكنيسة المارونية بين 1670 – 1704م "مؤذنا باجراء صياغة تاريخية جديدة للكنيسة وأفسح المجال لقيام أبحاث حديثة عن الفن والعمارة والموسيقى والأدب. تم جمع أرشيف الأديرة التاريخي وتنظيمه ودراسته في ضوء فكر هندسي ديني، يستمد عناصره من بعض المعتقدات المسيحية"[53]، وهذا ما أدى الى تطوير الواجهة ذات الأقواس الثلاثة (Triple Bay Facade)، المستلهمة من مفهوم الثالوث المقدس والتي اعتمدت في معظم دول المشرق[54]. ساهم في هذه النهضة تخصص البطريرك الدويهي في علم التاريخ إذ عُدّ من كبار مؤرخي المشرق آنذاك، وتعد تجربته إحدى أهم تجارب تأصيل العمارة المشرقية وفق منهج تاريخي، وهذا ما يجيب على فرضية البحث التي ربطت بين إعادة دراسة التاريخ واستكشافه وبين استعادة الإرث المشرقي.
إن الأجزاء التاريخية في مدن المشرق هي ثقافية بامتياز، لأنها جزءٌ مهم من الإرث الأصيل. ولهذا الإرث قيم متعددة: جمالية، رمزية، تاريخية، معمارية، إجتماعية، ثقافية، بيئية واقتصادية. وقد كانت مرنة إلى حد التماهي مع إنسيابية التاريخ فاتسمت بتطور الأنموذج واستمراريته وعدم الجمود، والدليل تنوع الطرز المعمارية التاريخية التي واكبت كل الحِقب إلى ما قبل الحداثة المبكرة التي غيرت الأنموذج. هنا اعتبر حسن فتحي: "أن إيجاد نهجٍ جديدٍ يقوم على ترجمة مفهوم العمارة التقليدية كلغة يمكن أنْ تسير جنبًا إلى جنب مع فكرة الحداثة، وأنْ لا نقطع كل العلاقات مع الماضي"[55]. وهذا ما حاول بعض المعماريون العرب من الرواد تطبيقه في العمارة المعاصرة بين ستينيات وسبعينيات القرن العشرين إذ عملوا على صهر التراث مع الحداثة بعد دراسة دقيقة للأنماط المعمارية وطرزها التاريخية، تمامًا كما فعل رواد النهضة والنيوكلاسيكية من خلال دراسة آثارات روما وأثينا.
رفعة الجادرجي:
نادى الجادرجي بنظرية صهر التراث مع الحداثة، وهو الذي عاصر منتصف القرن العشرين وكان شاهدًا على اجتياحِ الحداثة للمدن العربية. "فحملت أعماله فكرًا تأصيليًا لكيفية تطوير العمارة التقليدية العربية لتنسجم مع متطلبات عمارة الحداثة من تقنياتٍ إنشائيةٍ وكتلٍ معماريّة"[56].
محمد مكيّة:
رأى مكيّة أنّ الإبداعَ العمراني هو النجاح في ترجمة القيم الجماعية، الروحية والجمالية، ليس فقط عبر ممارسات شكلانيّةٍ، بل "أيضًا عبر ممارساتٍ داخليةٍ غايتها التعبير عن مضامين تلك القيمِ وأصالتها وعقلانيتها. وقد نادى بمنعِ حلول قطيعةٍ عنيفةٍ بين اللحظات الزمنية الثلاث: الماضي، الحاضر والمستقبل كبعدٍ زمني، وبين البيئةِ الجغرافية والثقافية كبعدٍ مكاني"[57]، "من خلال تضمين أعماله اقتباسات عربية وتوظيفها في إطار حداثوي"[58].
راسم بدران:
إنطلق فكر بدران من مفهوم تأصيل العمارةِ العربية من خلالِ إبراز عناصر رئيسة في هذه العمارة كالوحدة والوظيفية وبساطة الشكل متخذًا المربع كعنصر متكرر في عمارته. لذلك "جاءت مشاريعه معبرةً عن المساواة بين فئات المجتمع"[59].
إذًا، إنّ استكشاف التاريخ الثقافي يقدم مجموعةً متنوعةً من المزايا المهمة. وفهم الإرث الثقافي يمكن أنْ يعطي شعورًا بالهوية الاجتماعية، والذاكرة، ويوفر إحساسًا تلقائيًا بالوحدة والإنتماء. "وفهم هذا الإرث والإلمام بقيمته يفترضان النفاذ من الشكل الخارجي الى إدراك التناغم المتبادل بين الطبيعة والعمارة من جهة، والعلاقات الإجتماعية من جهة أخرى. فالتراث هو جزء لا يتجزأ من الكيان الإجتماعي"[60].
نعود إلى إدوارد سعيد ومقاربته لجدلية الصراع الثقافي بين التاريخ والحداثة، إذ ذهب باتجاهين: "اتجاه لاتاريخي يشتق وظيفة المثقف من الصراع الأبدي بين الماضي والحاضر. واتجاه تاريخي يقول بأن أزمنة التنوير عابرة، وأن التنوير قادر على حل أزمته والإنطلاق إلى تقدم إيجابي مبرأ من الأخطاء السابقة"[61]. هذا الرأي يتقاطع مع إنسيابية التاريخ من عصر النهضة إلى النهضة المشرقية التي كان للبطريرك الدويهي دور فيها. "وإذا كانت إشكاليات الوعي التاريخي العربي في عصر النهضة قد انطلقت من مقولة ترى أن الرؤية العلمية المعاصرة للتاريخ العربي لا تعني استحضار الماضي الذهبي لتوظيفه في الزمن الراهن، أي في زمان غير زمانه. بل تعني الحاجة اليوم إلى الاستفادة من دروس التاريخ. فإن أبرز ما ميز خطاب التاريخ هو ما قدمه من حقائق كما هي وليس ما قدمه أهل الفكر"[62]. تتقاطع هذه النظرة لمهند مبيضين مع مقاربة نصري الصايغ للماضي بنظرة نقدية ناقلًا عن تزيفان تودوروف "أن هوية الإنسان تتألف معظمها من ذاكرته. لدى الفرد رغبة في قراءة واستعادة ماضيه وكذلك الشعوب"، وأشار الصايغ إلى أن إعادة تصنيع الماضي، مهمة غير تاريخية، إنها مهمة ثقافية وسياسية يتصدى لها مفكرون وكتاب وشعراء وقادة، إنّ تصنيع الماضي لتقديمه بوعي نقدي، وليس بعقل نسخي هو مهمة من يهجسون بمستقبل مختلف"[63]. تتقاطع هذه المقاربات مع أهداف البحث في تفسير التاريخ بنظرة تأصيلية معاصرة، لا أن تستعيد التاريخ بكلياته وجزئياته. إنما إعادة قراءة متفحصة بعيون الحاضر والمستقبل.
الخلاصة
عالج البحث إشكالية تاريخ عمارة المشرق العربي وأشار إلى القطيعة التاريخية التي حلّت منذ الحداثة المبكرة في التحقيب المشرقي بعد تبني منهج التحقيب الغربي. ودلل عليها من خلال ما أثاره مفكرون ومؤرخون وما عكسه واقع التراث المشرقي المتحفي. قدم البحث مجموعة من الأفكار والطروحات التي تفيد في كيفية إحياء الإرث المعماري من خلال علم التاريخ بالإستناد إلى تجارب عصر النهضة والنيوكلاسيكية والنهضة في لبنان في القرن السابع عشر. وقد خلص إلى اعتبار الإرث المشرقي هدفًا رئيسًا في إعادة إحياء العمارة المشرقية بأسلوب معاصر من خلال التوصيات الآتية:
أولًا:تأسيس علم آثار مشرقي يقوده علماء آثار محليون يعملون على توثيق آثاراته من خلال أسس علمية تلحظ التاريخ الثقافي والتشكل النمطي والطراز المعماري.
ثانيًا:تخصيص كتب ومجلات متخصصة بالتوثيق الآثاري تنشر أعمال الحفريات بعد دراستها وتحليلها. وتصنف الأبنية القديمة مع وصف مفرداتها وتحديد خصائصها لتوظيف مندرجاتها الثقافية والبيئية والإنشائية في العمارة المعاصرة.
ثالثًا:تشجيع مشاريع التوثيق على مستوى الوطن العربي ووضع خطة للاستفادة منها لتكون مرجعًا حافزًا على إعادة الإحياء ونقل الأساليب المستفادة من التراث المعماري وإعادة ترجمتها من أجل وضع استراتيجياتٍ جديدةٍ للمدن المعاصرة المتنامية.
إنطلاقًا مما تقدم، يحتاج المشرق العربي اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة استكشاف تاريخه المعماري، واستعادة دوره الحضاري في سياق التاريخ الثقافي للمنطقة. ولا أدل على ذلك من الشواهد المعاينة بالنظر لآثار ونقوش تمتلئ بها البلدان العربية. من سواحل البحر الأبيض المتوسط إلى وادي النيل وصولًا إلى بلاد ما بين النهرين. نحن بحاجة لإعادة دراسة هذه الشواهد بعيون مشرقية وتوثيقها بأيد محلية تعرف كيف نُحتت أحجار الأهرامات، وكيف أكسيت أسوار بابل وآشور، وكيف زخرفت بيوت دمشق وحُلّيت واجهات لبنان قلاعًا وقصورًا. إنعمليات توثيق التراث المشرقي والحفاظ على الإرث الثقافي كوثيقةٍ تاريخيةٍ من شأنه المساعدة في إيجاد حلولٍ معاصرةٍ ومستقبلية ووصل الإستمرارية التاريخية. لقد توافقت نتائج هذا البحث وتوصياته مع الكثير من البحوث والدراسات التي خلصت إلى أهمية العودة إلى الحلول التقليدية ودمجها في الطروحات المستقبلية لتعزيز الهوية المحلية، وهو ما لا يمكن تحقيقه من دون العودة إلى علم التاريخ. وقد ناقش تجارب حضارية ومشاريع توثيقية وحللها كإضافة علمية يمكن أن تشكل مشروعًا مستقبليًا في عملية تأصيل العمارة. بناءً عليه فتحت هذه الدراسة الباب لمناقشة كيفية استعادة الارث المفقود في ضوء الحركة الانبعاثية، وماهية العناصر الانبعاثية التي ستكشل ركنًا رئيسًا فيها؟.
-----------------------------------------------
ملحق المصادر والمراجع
المصادر
الكتب العربية
الصحف والمجلات
المواقع الالكترونية
الكتب الأجنبية
الصحف والمجلات الأجنبية
ملحق أسماء العلم
الهوامش:
[1]باحث ومحاضر في كلية الفنون الجميلة والعمارة في الجامعة اللبنانية.
[2]المشرق العربي: ورد في العديد من المصادر والمراجع (المشرق العربي الإسلامي)، لكننا اخترنا مصطلح (المشرق العربي) لاشتماله على نظم تاريخية قديمة ابتداءً من الرافدينية، المصرية القديمة، السورية فالكنعانية وصولًا إلى المسيحية المشرقية التي تفرعت إلى: آرامية، سريانية، آشورية، نسطورية ثم إلى العربية فالإسلامية. وعلى الرغم من تنوع الثقافات والديانات واللغات في دول المشرق إلا أننا سنختار مصطلح (المشرق العربي) نظرًا لاعتماده في معظم المراجع والمصادر التاريخية والمعاصرة، والمقصود بها دول: فلسطين، الأردن، لبنان، سوريا والعراق.
[3]جاك، لوغوف، هل يجب حقًا تقطيع التاريخ شرائح؟، ترجمة الهادي التيمومي، هيئة البحرين للثقافة والآثار، المنامة، 2018، ص. 7
[4]مسعود، ضاهر، إشكالية التاريخ العبء والتاريخ الحافز عربيًا، مجلة المستقبل العربي، العدد 477، تشرين الثاني 2018
[5]فيليب حتي، إدروارد جرجي، جبرائيل جبور، تاريخ العرب، دار الكشاف للنشر والطباعة والتوزيع، ط. 11، 2002، ص. 7
[6]ابن منظور، معجم لسان العرب، دار صادر، مجلد 1، بيروت.
[7]أنظر: سيار، الجميل، نظريةالأجيال: المجايلة التاريخية، فلسفة التكوين التاريخي، تحقيب الثقافة العربية الإسلامية، المركز الأكاديمي للأبحاث، بيروت، 2018.
[8]جاك، لوغوف، مرجع مذكور. ص. 7
[9]عبد الحميد، هنية، التحقيب في التاريخ العربي الإسلامي، مجلة أسطور، العدد 3، تاريخ النشر كانون الثاني 2016، ص. 244
[10]جاك، لوغوف، المرجع السابق. ص. 18
[11]أنظر: عبد الحميد، هنية، مرجع مذكور. ص. ص. 226-227
[12]الأنموذج (Paradigm) parədʌɪmفي اللاتينية،في العلم والفلسفة هو مجموعة من المفاهيم أو أنماط التفكير، بما في ذلك النظريات، طرق البحث، المفاهيم، والمعايير. التطور مثال على الأنموذج. وكروية الأرض مثال آخر.
[13]BISHEL, David, “A contemporary assessment of Thomas Kuhn: The detection of gravitational waves as a Kuhnian revolution”, California State University Stanislaus, 1 University Circle, Turlock, CA 95382, p, 5
[14]LEE, Patina, "The History of Architecture in a Nutshell", Widewalls, Sept 26, 2016, widewalls.ch
[15]إبن منظور، مرجع مذكور.
[16]أرنست، بابلون، الآثار الشرقية، ترجمة مارون الخوري، دار جروس برس، دار حكم شريف، ط. 1، طرابلس 1987، ص. (أ)
[17]معجم المعاني الجامع، معجم رقمي عربي عربيhttps://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/retrieved 17/6/2020
[18]مسعود، ضاهر، مرجع مذكور.
[19]الإستشراق: هي حركة إنتاج المعرفة عن شعوب الشرق وضعها مفكرون وفنانون غربيون وسموا بالمستشرقين.
[20]أرنست، بابلون، مرجع مذكور. ص. (د)
[21]خزعل، الماجدي، تاريخ الخليقة، منشورات تكوين، بيروت، 2018، ص. 11
[22]مسعود، ضاهر، مرجع مذكور.
[23]محمد العساوي، "إشكالية التحقيب، رؤى متقاطعة بين المؤرخين"، مجلة فكر الثقافية، باب مقالات الكتاب، تاريخ النشر 1/2/2020
[24]حسان، سركيس، الأرخيولوديا، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، 2003، ص. 11
[25]أرنست، بابلون، مرجع مذكور.ص. (د)
[26]المرجع ذاته.
[27]باسم، فرات، "نظرية الأجيال في الثقافة العربية الإسلامية"، مجلة الجديد، الأحد 1/7/2018
[28]أنظر: سيار، الجميل، مرجع مذكور.
[29] وليد، السيد، "واقع العمارة العربية المعاصرة"، جريدة الوطن صفحة أشرعة، 6 آب 2017
[30]المرجع ذاته.
[31]معجم المعاني الجامع، مرجع مذكور.
[32]ابن منظور، مرجع مذكور.
[33]القرآن الكريم، سورة النمل، الآية 16
[34]معجم المعاني الجامع، المرجع السابق.
[35]سيار، الجميل، مرجع مذكور.
[36]قسطنطين، زريق، نحن والتاريخ، دار العلم للملاين، بيروت، ط. 2، 1963، ص. 36
[37]SALIBA, Robert, Urban Design in the Arab World: Reconceptualizing Boundaries,Ashgate, England, 2015, p. 18
[38]مسعود، ضاهر، مرجع مذكور.
[39]EDWARDSBrian, & Others, Courtyard Housing, Past, Present and Future, Taylor & Francis, UK, 2005, p. 2
[40]فيصل، دراج، "المثقف الدنيوي والمثقف الرسولي عند إدوارد سعيد"، المجلة الثقافية، العدد 71، 2008، ص. 29
[41]دنيس، كوش، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ترجمة منير السعيداني، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2007
[42]وليد، السيد، مرجع مذكور.
[43]MARSTON, Fitch, Historic preservation. Curatorial Management of the Built World. University Press of Virginia, Charlottesville & London,1998, p. 5
[44]أطلق المشروع ونظمه الدكتور حبيب صادق، أستاذ في كلية الفنون الجميلة والعمارة قسم الهندسة المعمارية. وقد وقعت الجامعة اللبنانية من خلال هذا المشروع بروتوكولات تعاون مع عدة بلديات لتوثيق عمارتها التراثية.
[45] الكتاب الأول:Beyrouth Architecture aux Sources de la Modernite 1920-1940 ، الكتاب الثاني:
Beirut city center recovery: The Foch-Allen by and etoile conserveation area
[46]ياسين، السيد، التراث وتحديات العصرفي الوطن العربي،مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1985، ص. 19
[47]COLE, Emily, Architectural Details, a visual guide to 5000 years of building styles, ivy press, UK 2002, p. 228
[48]SZALAY, Jessie, “The Renaissance: The 'Rebirth' of Science & Culture”, Live Science Contributor, June 29, 2016
[49]Haddad, Elie G., Rifkind, David, A Critical History of Contemporary Architecture 1960-2010, Routledg, 2016, USA, Digital book.
[50]COLE, Emily, Op. Cit, p 284
[51]BULOVSKA, Katerina, “Palladian architecture – Based on the work of the most influential architect of the 16th century”, walls with stories, May 25, 2017, http://www.wallswithstories.com/retrieved 15/10/2019
[52]انظر: آلان، باونيس، الفن الأوروبي الحديث، ترجمة: فخري خليل، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط. ا، 1994. ص. 250.
[53]ISKANDAR, Amin, La Dimension Syrique - Dans l’art et l’architecture au liban, Cedlusek, Beirut, 2001, p. 198
[54]الواجهة ذات الأقواس الثلاثة عنصر معماري معروف في الحضارات القديمة لا سيما الرومانية، لكن استلهامها في البيت اللبناني جاء في ضوء بعدٍ سيميائيٍ دلالي.
[55]EL-SHORBAGY, Abdel-moniem, "Traditional Islamic-Arab House:Vocabulary And Syntax", International Journal of Civil & Environmental Engineering, Architecture Department, College of Engineering Effat University, Saudi Arabia, Vol:10, No:04, p. 19
[56]KULTERMANN, Udo, Contemporary Architecture in the Arab States, McGraw-Hill, New York, 1999.
[57]أنظر:حسين، الهنداوي، محمد مكيّة والعمران المعاصر، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط. 1، بيروت، 2013
[58]KULTERMANN, Udo, Op. Cit.
[59]ABOU ALATA, Rawan, ALAMAT, Rouba, "The Role of Revitalizing the Traditional House in Highlighting Social-Cultural and Ecological Dimensions in Contemporary Housing Design", International Journal of Advanced Research in Science, Engineering and Technology, Vol. 4, Issue 9, September 2017, p. 4609
[60]جان دارك ابي يلغي، العمارة التراثية في لبنان جزء من هويتنا وثروتنا الوطنية، مجلة الجيش العدد 205 – تموز، 2002 .
[61]فيصل، دراج، مرجع مذكور.
[62]مهند، مبيضين، "الخطاب التاريخي العربي المعاصر تاريخية النكسة، الوعي والوعي المستعاد"، المجلة الثقافية، العدد 71، 2008، ص. 118
[63]نصري الصايغ، لبنان في مئة عام انتصار الطائفية، رياض الريس للكتب والنشر، ط. 1، بيروت، 2018، ص. 370
-------------------------------
شرارة، ح. (2020). إشكالية تاريخ عمارة المشرق العربي بين الإرث الثقافي والمعاصرة، المنافذ الثقافية، العدد 32، شتاء – ربيع.7 – 32. DOI: 10.13140/RG.2.2.36630.83520
All rights reserved for Research Labs © 2021