د. حسين شرارة
أفرزت الحضارة الإنسانية من خلال معطياتها الكثير من التحولات في المفاهيم، وكانت الحداثة إحدى أهم تلك التحولات التي تتمتع بجذر تاريخي بدأ منذ عصر النهضة ثم عصر التنوير إلى الثورة الصناعية وصولًا إلى التحولات الكبرى في بداية القرن العشرين. فهي تختزن الكثير من معاني التغيير وتشتبك مع مفاهيم مرادفة لها من قبيل التجديد والتحديث والعصرنة وغيرها من المصطلحات. لقد مرَّ هذا المصطلح بمحطات من التغيّر السريع، ربما أسرع من أي اتجاه آخر. وكانت الحرب العالمية الأولى إحدى هذه المحطات التي ساهمت في التحولات الفنية منذ مطلع القرن العشرين، وتاليًا في بلورة مفهوم الحداثة في الفن وما تلاها كردِّ فعلٍ على عبثية الحرب، فكما ساهم اختراع التصوير الضوئي بنشوء التجريدية على أنقاض الكلاسيكية والواقعية، لعبت الحرب العالمية الأولى دورًا في تحطيم الاتجاه العقلاني في الفن، فنشأت ردًا عليها الدادائية العام 1916. إذ كان لهذه الحركة هدفٌ واحدٌ، هو خلق فن ضد الفن Anti-Art ليناظر الخراب والدمار الذي انتشر وقتذاك في العالم. ولكن خلف هذا النكوص الظاهر تتوارى محاولات الإبداع في المجالين التشكيلي واللغوي وصنع فن من ركام الفن، وهدف من اللاهدف.
والدادائية لم تكن فوضى لا هدف لها، بل كانت عبارة عن استجابةٍ لعنف الحرب وصدمتها. ولم تقتصر على التعبير الفني التشكيلي فحسب بل تأثر بها الأدباء والشعراء والمسرحيون والموسيقيون، وكان آخر معرض ظهر للفنانين الدادائيين في العاصمة الفرنسية العام 1922. إذ لم يتضمن أعمالًا فنيةً فحسب بل احتوى على الاتجاه الدادائي في الشعر والأدب. فقد أدخلت هذه الحركة الغرابة في مجال الفن وربما وصل إلى مرحلة من التدني أو "الجرأة" بعرض مارسيل ديشان Marcel Duchamp مبولة في صالة العرض تحت عنوان النافورة (Fountain)، لكنه اعتبر أمرًا مرادفًا لجنون الحرب واستخفافها بانسانية البشرية. ومثلما كانت الحداثة متجاوزة وعابرة، كذلك رفضت الدادائية التاريخ والماضي ودعت إلى الحينية، متبنية مدرسة اللافن، وكانت حركة تشكيلية من غير أن تلتزم بقواعد التشكيل أو الجمال وهو ما أحسن بيانه تريستان تزارا Tristan Tzara أحد رواد الدادائية "من حيث المبدأ، أنا ضد المبادئ". من هنا، دعت الحركة إلى عبثية العقل والمنطق والعلم، لعدم قدرة الانسانية على تفسير الأزمة.
إن الظروف النفسية التي أحاطت بالمجتمع الانساني العالمي آنذاك جعلت الدادائية تستهوي المتابعين لا سيما وسائل الاعلام التي ساهمت في مدّ هذه الحركة بالحياة لعدة سنوات مؤسسةً بجرأتها لظهور مدارس فنية استمدت منها مفهوم التناقض والخروج عن المألوف وكسر السائد من خلال الرؤية الخاصة للفنان بعيدًا عمّا تمليه المعايير الفنية وجمالياتها. هكذا، استطاع ديشان Duchamp تفسير هذا التناقض عندما قال "لقد أجبرت نفسي على مناقضة نفسي من أجل تجنب التوافق مع ذوقي الخاص".
دفعت الثورة الهائلة للحركة الدادائية الكثيرين لتعريفها على أنها معادية للفن، وهو مصطلح استخدمه الدادائيون أنفسهم، فهم أنكروا من خلاله الفهم التقليدي للفن كفن خارق للعادة. إذ يجب على الفن كما فهموه أن لا يكون هروبًا من الأحداث اليومية، بل يجب أن يسلط الضوء على عنف وفوضى ورياء الحياة المعاصرة ولعل ما قاله فرانسيس بيكابيا Francis Picabia "دادا مثل آمالك: لا شيء، مثل جنتك: لا شيء، مثل أصنامك: لا شيء، مثل أبطالك: لا شيء، مثل فنانيك: لا شيء، مثل دياناتك: لا شيء" يصبح مألوفًا في هذا السياق. إن الدادائية كحالة مرحلية نشأت وانتهت مع الحرب العالمية الاولى وعلى الرغم من عبثيتها ولاهدفيتها إلّا أنها فتحت الطريق لظهور تياراتٍ فنيةٍ جديدةٍ أسست لما بعد الحداثة واعتنقت مفهوم الحرية كاساس في العمل الفني المعاصر. وسرعان ما انتهت هذه الحركة بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى، خصوصًا بعد أن بدأت الأضواء تتجه إلى السريالية التي ولدت من رحم الدادائية واجتذبت الأضواء والمفكرين والكتاب والفنانين.
All rights reserved for Research Labs © 2021