Reserch Lab

ABOUT Mohamad Khalifeh
Lebanese Senior Designer & Interior Architect, Researcher, Inspirational team leader, Blending creativity with functionality, Designing spaces that inspire, foster connections, & communicate cultural and spatial narratives


All Publicaitons

Share Article

عمارة الأزمات: مقاربة في أثر العمارة المرنة على المجتمعات في السياق اللبناني

Submission Date :2025-08-29 | First Published : 2025-09-01 | Written In : Arabic
Identity contradiction, Beirut- Lebanon, Ein El-Mrayse


المهندس محمد خليفة

   في ظل التحديات الكبرىوالازمات المتلاحقةالتي واجهها لبنان خلال السنوات الأخيرة، بدءًا من الانهيار الاقتصادي الحاد عام 2019، مرورًا بتفجير مرفأ بيروت وجائحة كورونا، وصولًا إلى الحرب الأخيرة عام 2024 التي زادت المشهد تعقيدًا وعمّقت الجراح العمرانية والاجتماعية، برزت الحاجة إلى نماذج معمارية تخرج عن القوالب التراثية، وتلبي متطلبات واقع متغيّر وتواكب التحولات المتسارعة التي تفرضها الظروف الاستثنائية على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية. فقد كشفت هذه الأزمات عن هشاشة البنية التحتية، وضعف قدرة المدينة على التكيف مع المتغيرات والصدمات، ما أوجد حاجة ملحّة إلى اعتماد نماذج معمارية مرنة تتجاوز القوالب الصلبة والتصاميم الثابتة، من هنا، تبرز العمارة المرنة كأحد المفاهيم المعاصرة القادرة على إعادة التفكير في الفضاءات الحضرية والسكنية بما يراعي ديناميكيات التغير ويعزز القدرة على الصمود والتكيّف.

   العمارة المرنة، في هذا السياق، لا تُعد مجرّد توجه تصميمي حديث يندرج تحت عمارة الأزمات، بل تشكل رؤية شمولية لإنتاج بيئة مبنية قادرة على التكيف، والصمود، والاستجابة لاحتياجات السكان المتغيرة، مع الأخذ بعين الاعتبار الحفاظ على الهوية الثقافية والبصرية، والارتباط بالتراث العمراني. وفي لبنان، حيث تتلاقى أصالة وعراقة العمران التاريخي مع تداعيات الإهمال والدمار، تبرز العمارة المرنة كخيار استراتيجي لإعادة البناء على أسس أكثر استدامة، من خلال إدماج مفاهيم المشاركة المجتمعية، واستيعاب الطابع المحلي، ومواجهة التحديات والصدمات بعين وأدوات التصميم المتجدد.

من هنا يمكن طرح إشكالية عمارة الأزمات، والى أي مدى تستطيع العمارة المرنة أن تؤدي دورًا فاعلًا في إعادة بناء المجتمعات والفضاءات العمرانية في لبنان خلال وبعد الأزمات، من دون تغييب الهوية البصرية والتراث المعماري؟.

وتعتمد هذه المقاربة على المنهج التحليلي النقدي الذي بدوره يدمج بين مراجعة الأدبيات المعمارية حول مفاهيم المرونة والسياق، وتحليل معطيات الواقع اللبناني في مرحلة الأزمات وما بعدها. وسيتم كذلك تحليل التحديات المرتبطة بالتنفيذ على مستوى التخطيط، الهوية البصرية، والمشاركة المجتمعية.

 

 

   لم تعد العمارة مجرد أداة لصناعة الشكل أو توفير المأوى، بل تحوّلت في العقود الأخيرة إلى ممارسة اجتماعية وثقافية واقتصادية تعكس قدرة المجتمعات على التكيّف مع التحوّلات المتسارعة، خصوصًا في سياقات الأزمات والصراعات. وبينما سادت لعقود طويلة نماذج معمارية تتسم بالجمود والانفصال عن واقع المستخدمين ((Schneider et al, 2007، برزت الحاجة إلى أنماط أكثر مرونة وانفتاحًا على الديناميكيات الحضرية والمجتمعية، وفي لبنان، تبدو العمارة المرنة أكثر من مجرد خيار تصميمي، بل إنها ضرورة استراتيجيّة لإعادة بناء المدن والمجتمعات على أسس أكثر عدلاً واستدامة،"لقد كشفت هذه الأزمات عن فجوات عميقة في التخطيط العمراني، من ضعف البنية التحتية إلى غياب السياسات السكنية العادلة"، ما يدفع إلى إعادة التفكير في كيفيّة إنتاج الفضاءات الحضرية، وبما يتجاوز المعالجات الشكلية.(UN-Habitat, 2021)

 

 

صورة 1، جدول زمني يحاكي أثر الأزمات العمراني في لبنان وإستجابة العمارة المرن، إعداد الباحث

    في أعقاب الأزمات والكوارث، سواء كانت طبيعية أو بشرية، تبرز العمارة كأداة جوهرية في عمليات التعافي، ليس فقط عبر إعادة بناء ما تهدّم، بل أيضًا عبر إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان، (Ahmed et al, 2023)،وتقدّم العمارة المرنة أدوات فعّالة في إعادة الإعمار، وتوفير المأوى، ودعم عمليات التأهيل النفسي والاجتماعي من خلال تصميم فراغات قابلة للتكيّف، منخفضة الكلفة، ومتجاوبة مع التحولات الطارئة في الاستخدام والسياق(Dovey et al, 2020)،إلا أن هذا التوجه لا يخلو من التحديات، أبرزها احتمال إضعاف الهوية البصرية التراثية أو تغيير النسيج الحضري إذا لم يُصمَّم بطريقة حساسة للسياق الثقافي والجغرافي(Saliba, 2022). وتلعب العمارة المرنة دوراً محورياً بعد الأزمات يتمحور حول الإستجابة السريعة في الإعمار، من خلال أنظمة بناء مرنة ومسبقة الصنع، أو تصاميم تسمح بالتوسعة والتعديل لاحقًا. وتُعتبر هذه القدرة على التحوّل عنصرًا أساسيًا في بيئات متقلبة مثل لبنان، حيث تتطلب الاستجابة للأزمة حلولًا سريعة من دون التفريط بمفاهيم الاستدامة أو الهوية(Schneider et al, 2007)، ولا تقتصر الاستجابة المعمارية على تأمين السقف، بل على خلق مأوى يتماشى مع تغيرات الظروف العائلية والاجتماعية، ويتّسم بالمرونة المكانية والوظيفية. من الأمثلة البارزة، نماذج المساكن القابلة للتركيب والتفكيك التي استُخدمت في مناطق النزاع مثل سوريا وهايتي، والتي أثبتت فعاليتها في توفير سكن آمن ومؤقت وقابل للتطوير لاحقًا(UNHCR, 2020). وتشير الدراسات إلى أن البيئة المبنية تؤثر مباشرة على الصحة النفسية، خاصة في السياقات ما بعد الأزمات. ولذلك فإن تصميم المساحات المفتوحة، والفراغات المشتركة، والواجهات المألوفة، يساهم في إعادة الإحساس بالأمان والانتماء، ويعزز من عمليات التعافي الاجتماعي(Saliba, 2022).

صورة 2، Konbit Shelter  ، هايتي، مساكن مستدامة قابلة للتفكيك، المصدر:

https://inhabitat.com/sustainable

 

 

   إن العمارة المرنة، بما تقدّمه من مرونة تصميمية، واستجابة سريعة، وحساسية اجتماعية وثقافية، تمثّل اليوم أحد أهم البدائل الممكنة لإعادة بناء المجتمعات بعد الكوارث.في البيئات التقليدية، تعمل العمارة كـ"مُعلِم مكاني" يساهم في صياغة الذاكرة الجماعية والانتماء الهوياتي (Lynch, 1960)،وعليه لا بد من مقاربة العمارة المرنة كإطار شامل يوازن بين متطلبات الاستجابة للأزمات من جهة، والحفاظ على الخصوصيات المحلية من جهة أخرى، عبر آليات مثل التصميم التشاركي، الحفاظ الانتقائي على التراث، والتكامل بين البعد الاجتماعي والبيئي والمعماري.

   تواجه العمارة المرنة تحديات في الحفاظ على الهوية البصرية ضمن مسار سعيها الى التكيف مع التحولات المجتمعية والاقتصادية، وليس من المستبعد أن تقع العمارة المرنة أحياناً في فخ الابتعاد أو التغييب المعماري المحلي، مما يثير تساؤلات جوهرية حول مدى انسجامها مع الهوية البصرية والتراث المعماري، وقد ينتج عن هذه العمارة أحياناً فراغات تفتقر إلى المعاني الجماعية أو الطقسية، بسبب تغيّر الاستخدامات أو هشاشة التصميم. هذا يتعارض مع الدور الاجتماعي للعمارة كمكوّن للحياة اليومية (Gehl, 2010)،ويسهم في اختلال العلاقة بين الفضاء العام والمجتمع، وفي كثير من الأحيان، يُترجم مفهوم "المرونة" إلى اعتماد نماذج تصميمية عابرة للحدود(Generic Architecture) تستند إلى المعايير التقنية أكثر من الخصوصيات البيئية أو الثقافية. هذه النزعة تفكّك الصلة بين السكان ومكانهم، فتظهر المباني كـ"أجسام غريبة" وسط نسيج اجتماعي وثقافي لا يتوافق معها (King, 2004)، خصوصًا في بيئات غنية بالتاريخ مثل لبنان.فالهوية البصرية ليست مجرد واجهات زخرفية، بل هي تجسيد لعلاقات اجتماعية ومكانية متجذرة في المكان،عندما تُنتج فراغات مرنة منزوعة الطابع المحلي، أو عندما يُستبدل النسيج العمراني التاريخي بعناصر "محايدة"، يفقد المجتمع الإحساس بالارتباط الجغرافي والرمزي بالمكان(Norberg-Schulz, 1980).

صورة 3، مساكن مسبقة الصنع ضمن مخيم لجوء على الحدود التركية السورية، المصدر:

https://www.dailysabah.com

   وأيضاً من أبرز المخاطر التي تطرحها بعض تطبيقات العمارة المرنة هو تغليب الوظيفة على الشكل والسياق، مما قد يؤدي إلى إنتاج مبانٍ بلا ملامح محلية واضحة. لا تراعي الفروق الثقافية والمناخية والجغرافية (Rapoport, 2005)،وقد تنتج مشاريع مرنة منفصلة أو "جزر عمرانية" تفتقر إلى التناسق أو التوافق مع النسيج الحضري التاريخي، سواء من حيث المقاييس أو المواد أو التوزيع العمراني. هذا التباين قد يؤدي إلى تفكك بصري وبيئي، يُضعف إحساس السكان بالانتماء، ويقوّض الروابط بين الماضي والمستقبل(Saliba, 2022)، وقد يؤدي هذا الى طمس الهوية العمرانية الراسخةوفقدان الطابع المعماري التقليدي. وفي بعض الحالات، يتم تسليع الفضاءات والتصاميم، عبر الترويج للعمارة المرنة كحل جاهز تقوده شركات أو مؤسسات دولية، دون إشراك فعلي للمجتمع المحلي أو احترام حقيقي للسياق. ممايؤدي إلى تسليع الفضاء وتحويله إلى منتج سريع التغيير، فيُقوّض فرص إنتاج عمارة نابعة من الأرض والتقاليد(Till, 2009).

صورة 4، Generic architecture، Lebanon، وحدة سكنية مسبقة الصنع المصدر:

https://elementoconstruction.com

   تظهر إشكاليات العمارة المرنة بإنعكاساتها السلبية في السياق اللبناني ليس فقط في بعدها العمراني، بل في انعكاساتها الاجتماعية والثقافية. فبينما تهدف هذه العمارة إلى تعزيز القدرة على التكيّف ومواكبة المتغيرات، فإن تطبيقها غير المدروس في بعض المشاريع أدى إلى نتائج سلبية على علاقة الأفراد بالمكان والمجتمع.حيث أن تآكل الذاكرة الجمعية وتفكك الهوية البصرية نتيجة تغييب الرموز العمرانية التقليدية أو طمسها، أدى الى تراجع القدرة على بناء سردية بصرية موحّدة تعكس الذاكرة الجمعية، ما زاد من ضعف الهوية البصرية الوطنية (Larkin, 2010)، وبرز تراجع الحس بالمكان لدى الأجيال الشابة، إذ باتت بعض الأحياء العمرانية في بيروت وغيرها من المدن اللبنانية تضم مبانٍ مجهولة الهوية لا تعكس ذاكرة جماعية أو سردية محلية. هذا الانقطاع الرمزي بين الأجيال والمكان أدى إلى فقدان الرابط العاطفي مع الفضاء العمراني، ما جعل الانتماء ضعيفاً لصالح تصورات حداثية معزولة (Relph, 1976)،وبالتالي فقدان التوازن بين التكيف والهوية.

صورة 5، رسم بياني توضيحي لتحديد الفرص والتهديدات المرتبطة بالعمارة المرنة ضمن التوازن بين التكيّف والهوية، إعداد الباحث

   إن التركيز المفرط على العمارة القابلة للتغيير السريع جعل بعض المشاريع تبدو "عابرة" وغير متجذرة، ما عزز شعور الأجيال بأن عمرانها لا يعكس ثباتاً أو استمرارية، بل مجرد حلول مؤقتة تفقد معناها مع تبدّل الظروف، وهذا بسبب تسليع الفضاء العمراني وفقدان البعد الثقافي كما في الكثير من المشاريع العمرانية الحديثة في بيروت والمدن الكبرى التي تتعامل مع الفضاء على أنه سلعة استثمارية، ما أدى إلى هيمنة منطق السوق على حساب الهوية الثقافية (Harvey, 2008)،  ومن حيث الوظيفة، ظهر ضعف التكافل الاجتماعي في الفضاءات الجديدة، فغياب العمارة المألوفة، وما تحمله من علامات مشتركة مثل الفناء الداخلي أو الساحات العامة، ساهم في تفكيك الروابط بين السكان. وفي حين كانت الأحياء التقليدية في لبنان تنتج فضاءات قادرة على تعزيز التلاقي والتواصل، فإن كثيراً من المشاريع الحديثة تفتقر إلى هذا البعد، ما أدى إلى إنتاج فضاءات للسكن أكثر منها للحياة (Gehl, 2011)، وبالتالي، فإن غياب التوازن بين متطلبات العمارة المرنة والهوية المكانية والاجتماعية أدى إلى تحديات عميقة في السياق اللبناني، حيث أصبح العمران الحديث في بعض الأحيان جسماً غريباً عن المجتمع، بدل أن يكون امتداداً له.

صورة 6،بيروت، مشهد مقارن بين عمارة ذات هوية ومباني سكنية حديثة، المصدر:

https://www.aljazeera.com

   تُظهر التجربة اللبنانية، لا سيما بعد الأزمات المتعاقبة، أنّ العمارة المرنة لا يمكن أن تُبنى بمعزل عن السياق الاجتماعي والثقافي. ومن هنا تبرز عدة استراتيجيات أساسية لمواجهة التحديات المرتبطة بالحفاظ على الهوية البصرية.بناءً على ما تقدم، يبرز التصميم الحساس للسياق بوصفه مدخلًا ضروريًا لتعزيز الانتماء المكاني. فالاعتماد على المواد المحلية مثل الحجر الرملي والخشب، واستحضار ملامح من التراث العمراني في الأبنية الحديثة، يسهم في إعادة وصل الحاضر بالماضي (Salama, 2015)، وقد تجلى ذلك في بعض مبادرات ترميم المباني التراثية في أحياء الجميزة ومار مخايل بعد انفجار المرفأ، حيث اعتمد المعماريون حلولًا تجمع بين الطابع التقليدي والمرونة الوظيفية المعاصرة. وأيضاً تمثل المشاركة المجتمعية ركيزة أساسية في تخطي ضعف التكافل الاجتماعي في الفضاءات الجديدة. إذ إن إشراك السكان في عملية التصميم والتخطيط يعزز شعورهم بالانتماء والملكية المشتركة للمكان (Hamdi, 2004)،مثالاً على ذلك مبادرات إعادة إحياء الساحات العامة في بيروت، مثل ساحة الكرنتينا، حيث شاركت جمعيات محلية وسكان المنطقة في تصميم فراغات حضرية مشتركة تعكس قيمهم واحتياجاتهم. كما أن الحاجة تفرض مواجهة اتساع الفجوة بين السكان والعمران من خلال اعتماد الحفاظ الانتقائي والتكاملي، بحيث لا يُعامل التراث كمتحف جامد، بل كمورد حي يمكن دمجه بذكاء ضمن الحلول المعمارية المعاصرة (Jokilehto, 2006). هذا التوجه تجسد في ترميم بعض المباني التراثية في الأشرفية وتحويلها إلى فضاءات ثقافية حديثة، الأمر الذي ساعد في إعادة ربط الماضي بالحاضر، مع الحفاظ على الرمزية المكانية. ومن جهة أخرى لا يمكن غض النظر عن التخطيط العمراني والسياسات العامة كونها عاملًا محوريًا لضبط الفوضى العمرانية التي تفاقمت بعد الأزمات. فإن تطوير أطر تشريعية تراعي البعد الاجتماعي والبيئي، وتدعم مفاهيم المرونة العمرانية (Healey, 1997)، يمثل خطوة أساسية نحو استدامة المشهد البصري.وبالنتيجة رغم أن العمارة المرنة تمثّل أداة فعالة في سياقات الأزمات، فإن توظيفها من دون إدراك عميق للسياق المحلي، يمكن أن يؤدي إلى إضعاف الهوية البصرية وتهديد الخصوصية الثقافية.

تدخلات إدارية في العمارة المرنة

تحديات محتملة

الإدارة السياقية(Contextual Management)

إدارة الهوية البصرية(Visual Identity Management)

فقدان الخصوصية العمرانية والهوية البصرية

إدارة المخاطر والأزمات(Risk and Crisis Management)

هشاشة العمران أمام الأزمات والكوارث

إدارة المشاركة المجتمعية(Community Engagement Management)

ضعف مشاركة المجتمع في القرارات العمرانية

إدارة الموارد والتقنيات(Resource and Technology Management)

الاعتماد على مواد مستوردة غير مستدامة

إدارة الاستدامة والمرونة البيئية

(Sustainability and Environmental Resilience Management)

التأثيرات البيئية والتغير المناخي

إدارة السياسات والتشريعات(Policy and Governance Management)

غياب التشريعات الحضرية الفعّالة

           جدول 1، جدول بياني يظهر الأطر الإدارية المناسبة المطلوبة ربطاً بالتحديات المحتملة المحيطة بالعمارة المرنة، إعداد الباحث

في ضوء الدراسة التي تناولت أثر العمارة المرنة على المجتمعات في السياق اللبناني، تبيّن أن هذا النهج المعماري يمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء الفضاءات العمرانية والاجتماعية بما يتناسب مع تحديات الأزمات المتلاحقة التي مرّ بها لبنان. فالعمارة المرنة، من خلال قدرتها على التكيّف والاستجابة السريعة، لا تقتصر على إعادة بناء المباني فقط، بل تتجاوز ذلك إلى تعزيز الاستقرار النفسي والاجتماعي للسكان، وتوفير بيئات مبنية تدعم عمليات إعادة التأهيل والتماسك المجتمعي.

ومع ذلك، كشفت الدراسة أن العمارة المرنة تواجه تحديات جوهرية في الحفاظ على الهوية البصرية والتراثية للمكان، خاصة في بلد غني بالتراث مثل لبنان. حيث يمكن أن تؤدي تطبيقاتها غير الحساسة إلى فقدان الطابع المعماري التقليدي، وتفكيك النسيج الحضري، والحد من شعور السكان بالانتماء إلى بيئتهم الجغرافية والاجتماعية. هذا يعكس أهمية التوازن بين المرونة والتمسك بالجذور الثقافية، عبر التصميم الحساس للسياق والمشاركة المجتمعية الفاعلة، ويمكن القول إن العمارة المرنة قادرة على أداء دور فاعل ومؤثر في إعادة بناء المجتمعات والفضاءات العمرانية اللبنانية بعد الأزمات، شرط أن تعتمد على منهجيات تراعي السياق المحلي، وتحافظ على الذاكرة البصرية والتراث المعماري، ولا تقتصر على الاستجابة التقنية أو الوظيفية فحسب.

مستقبليًا، يُنصح بتعزيز الأبحاث والتطبيقات التي تجمع بين العمارة المرنة والتصميم التشاركي مع المجتمعات المحلية، إضافة إلى تطوير سياسات عمرانية تشجع على التوازن بين الحداثة والهوية، وتعتمد على استدامة بيئية وثقافية. كما ينبغي الاستثمار في بناء قدرات مهندسي ومعماريي لبنان على تقنيات العمارة المرنة المرتبطة بالسياق المحلي، لضمان تقديم حلول مبتكرة ومستدامة تعزز من جودة الحياة وتحافظ على الانتماء الثقافي والجغرافي،لتصبح هذه الأنماط أيضًا أداة تأصيل وإحياء حضري.

الهوامش

----------------------------------------------

1- Schneider, T., & Till, J. (2007). Flexible housing. Oxford

2- UN-Habitat. (2021). Beirut Urban Recovery Framework. United Nations Human Settlements Programme

3- Iftekhar Ahmed, I., Masa Noguchi, M., O’Brien, D., Tucker, C., & Vahanvati, M. (Eds.). (2023). Resilience and Sustainability in Architecture and Urban Planning:.

4- Dovey, K., & Pafka, E. (2020). What is walkability? The urban DMA. Urban Studies

5- Saliba, R. (2022). Reconstructing Beirut: Architecture, memory and identity

6- UNHCR. (2020). Emergency Handbook: Shelter Design for Displaced Populations. United Nations High Commissioner for Refugees

7- Lynch, K. (1960). The Image of the City.

8- Gehl, J. (2010). Cities for People.

9- King, A. D. (2004). Spaces of Global Cultures: Architecture, Urbanism, Identity.

10- Norberg-Schulz, C. (1980). Genius loci: Towards a phenomenology of architecture.

11- Rapoport, A. (2005). Culture, architecture, and design.

12- Till, J. (2009). Architecture depends. MIT Press

13- Larkin, C. (2010). Remaking Beirut: Contesting Memory, Space, and the Urban Imaginary of Lebanese Youth.

14- Relph, E. (1976). Place and placelessness.

15- Harvey, D. (2008). The right to the city.

16- Gehl, J. (2011). Life between buildings: Using public space.

17- Salama, A. M. (2015). Spatial design education: New directions for pedagogy in architecture and beyond.

18- Hamdi, N. (2004). Small change: About the art of practice and the limits of planning in cities.

19- Jokilehto, J. (2006). Considerations on authenticity and integrity in world heritage context.

20- Healey, P. (1997). Collaborative planning: Shaping places in fragmented societies.

All rights reserved for Research Labs © 2021