Reserch Lab

ABOUT Dr. HUSSEIN SHARARA
PhD in Sciences of Art, Interior Architecture, Researcher and Lecturer in the Lebanese University, Faculy of Fine Arts And Architecture.


All Publicaitons

Share Article

الإستنساخ المعماري وأثره على الهويتين الثقافية والإجتماعية لمدينة بيروت بين القرنين 19-20

Submission Date :2021-05-05 | First Published : 2021-05-05 | Written In : Arabic
  • Amin, Iskandar, La dimension Syrique Dans l’art et l’architecture au liban
  • Amin, Iskandar, La dimension Syrique Dans l’art et l’architecture au liban


د. حسين شرارة

يرتبط الحديث عن الهوية المعمارية بمسألةٍ عميقةٍ ذات دلالاتٍ ثقافية واجتماعية، نستحضر من خلالها ذاكرة المدينة وهويتها المكانية. هكذا، ندرك المفهوم الحقيقي للمدينة بما تمثله من انعكاسٍ لروح المجتمع في بعديه الثقافي والاجتماعي، وما تشكله من وعاء حضاري لهذا المجتمع، وهو ما عبر عنه ونستون تشرشل "من أننا نقوم بتشكيل مبانينا، وبعد ذلك تقوم هي بتشكيلنا" عندما كان ينظر في نهضة لندن بعد الحرب العالمية الثانية لدراسة التأثيرات المورفولوجية على حياة الناس وثقافتهم. إنطلاقًا من هنا، يتناول هذا المقال تأثيرات النهضة العمرانية التي حدثت في لبنان ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر وما شكلته من رؤية مورفولوجيّة جديدة لمدينة بيروت خاصة؛ كحالة دراسية مهمة لدراسة الأسلوب المعماري الجديد الذي انتشر في الأبنية والقصور البيروتية. هذا الأسلوب ما لبث أن أصبح طابعًا معماريًا وافدًا ترك بصماته في العديد من المناطق اللبنانية، مستمدًا طابعه وعناصره من الخلفية التاريخية لفن العمارة الايطالية. لكن المزاج العام في تلك الحقبة لم يكن السبب الوحيد الذي أملى على اللبنانيين الاستعانة بالمهارات الايطالية، إذ كانت الظروف الاقتصادية المطّردة في إيطاليا وأوروبا في نهاية القرن التاسع عشر دافعًا قويًا للعديد من الكفاءات الاجنبية للوفود الى الشرق والعمل لدى العائلات البورجوازية في تصميم وبناء قصور وبيوت مستلهمة من العمارة الاوروبية؛ وخصوصًا تلك الموجودة في مدينة البندقية الإيطالية.

ولا شك أن حركة التجار اللبنانيين الذين كانوا يتنقلون بين بيروت وإيطاليا وتأثروا بفن المعمار الإيطالي قد نقلوا مشاهداتهم من حيز الفكر والإستلهام الى حيز التطبيق، فكان هذا الغنى المعماري في بيروت وبعض المناطق. لكن الإشكالية كانت في ظاهرة الاستنساخ المباشر لعناصر العمارة الايطالية ومفرداتها التي لم تتقيد بضوابط محددة أو بخطة ممنهجة للحفاظ على الهوية التراثية المحلية وعلى تاريخها الثقافي، بل تعدت مفهوم الإقتباس الى نسخ مبانٍ وقصورٍ بشكلٍ شبه كامل مثل قصور السراسقة، قصر عودة في الأشرفية، قصر الشرتوني، قصر الداعوق في بيروت وغيرهم. ما أدى الى تحول في الهوية المعمارية وطغيان العديد من المباني والقصور البيروتية ذات الأسلوب الوافد على تلك الأخرى ذات الطابع المحلي.

ومن الصعب مراجعة تاريخ النهضة العمرانية في لبنان في القرن التاسع عشر من دون التوقف عند الاسلوب الوافد الذي انتشر بكثرةٍ في منطقة بلاد الشام ولا سيما في لبنان، كما لا يمكننا تجاهل الغنى المعماري الذي شهده لبنان على مر العصور والذي أثرته حضارات عدة؛ ما عزز مفهوم التذوق المعماري عند اللبنانيين وجعله أرضية خصبة لاستقبال التأثيرات الايطالية. إن موقع لبنان في صدارة الشرق وما يمثل من صلة وصل بين قارتي أسيا وأوروبا وغنى مجتمعه الثقافي والحضاري، كانت عوامل ساهمت في استقطاب التنوع الفني الذي شهدته الحقبة الفاصلة بين القرنين التاسع عشر والعشرين، هذه المسيرة استكملت بنهضةٍ حديثةٍ في أواسط القرن العشرين بعد الاستقلال سوّقت لبنان كسويسرا الشرق.

إن مفهوم الهوية الثقافية المعمارية والحاجة للحفاظ على الطابع المحلي حدى بعدد كبير من الدول في العالم الى اعتماد مخططاتٍ توجيهيةٍ تهدف الى المحافظة على الابنية التقليدية واحترام إرثها الحضاري والتاريخي. وذلك من خلال حصر التوسع العمراني الحديث خارج حدود المناطق التقليدية القديمة. وأصبح بناء الابراج السكنية والتجارية والاسواق والمرافئ العامة الجديدة محصورًا بالمناطق المستحدثة، وبذلك تمت المحافظة على الأحياء القديمة وأبنيتها التراثية وحفظها من الاندثار كما في باريس حيث خصصت منطقة La Défenseللمباني ذات الطابعين الحداثي والمعاصر. هذه التجربة الرائدة غابت عن لبنان، ومع مرور الزمن وانتشار المباني الحديثة في معظم مناطق بيروت وباقي المدن اللبنانية، وعشوائية التصميم؛ وافق مجلس الوزراء بتاريخ 12 تشرين الأول 2017على مشروع قانون حماية المواقع والأبنية التراثية الذي حظر بموجبه هدم المباني والقصور المصنفة تراثية. ولكن هذه الحملة لم تكن كافية لاسترجاع هوية بيروت التراثية والتقليدية، لا بل أصبح هذا القانون عبئًا على أصحاب هذه المباني بسبب عدم مبادرة الحكومة لدعمهم في مشاريع التنمية التراثية؛ ونظرًا لما كانوا يتوقعونه من ربح مادي من خلال إنشاء مبانٍ حديثة مكان تلك القديمة. هكذا، فقدنا الانتماء الى تاريخنا الثقافي والحضاري.

من هنا، لا بد من التوصية باعتماد مخطط توجيهي من قبل نقابة المهندسين وكليات العمارة والتنظيم المديني والجهات ذات الصلة لاعتماد تصاميم وأفكار منبعثة من تاريخ بيروت المعماري المتأصل في تركيبتها الاجتماعية والثقافية ذات الجذور المشرقية بغية استعادة الهوية التراثية اللبنانية وتحسين البيئة العمرانية والسكنية في الاحياء التقليدية وتنميتها. ولخلق تجانس وانسجام بين العمارة التقليدية وتلك الحديثة أو المستوحاة من الخارج بمعايير علمية ومنهجية. واستنباط عناصر تحمل دلالاتٍ رمزيةٍ عوض التماهي الكلي مع عمارة العولمة التي سلبت هويتنا وجعلت من مجتمعنا أرضًا خصبةً للتأثيرات الثقافية الخارجية.

إن عملية الاستلهام في التصميم المعماري هي عملية معقدة تتشارك فيها قيم ومبادئ تحملها ذاكرة المجتمع وهوية المكان مع متطلبات ومحددات فرضتها علينا حياتنا الراهنة. وتكمن مهمة المعماريين في إيجاد إيقاعٍ مناسب ينسجم مع إرثنا الثقافي والحضاري يسمح لنا بنقل صورة صافية حقيقية عن ماهيتنا وفلسفتنا للاجيال القادمة، فيصبح إبداعنا الحالي تقليدًا في حياة مجتمعاتنا ومدننا المستقبلية، وتأصيلا لتاريخنا الثقافي العريق.

All rights reserved for Research Labs © 2021