المهندسة زينب المصطفى
المقدمة
تخلّف الحروب آثاراً متعددة على المجتمعات، تتجاوز الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتشمل الفضاءات المادية التي تشكّل إطار الحياة اليومية للأفراد. وتتعدى هذه الآثار حدود الدمار الملموس للبنى التحتية، لتطال الرمزية الجماعية للمكان، ما يترك انعكاسات نفسية واجتماعية عميقة على الوعي الجماعي للمجتمعات المتضررة. فالمكان ليس مجرد إطار مادي، بل حاضن للذاكرة وركيزة للهوية والانتماء[1]؛ وعندما يتعرض للدمار، يتصدّعمعه الإحساس بالأمان والاستقرار والهوية المشتركة.
من هذا المنطلق، يبرز دور التصميم في المراحل التي تلي الكارثة، ليس كعملية إعادة بناء مادي فحسب، بل كأداة علاجية تسهم في المداواة واستعادة الإحساس بالمكان وإعادة بناء الهوية الجماعية ودعم التعافي النفسي والاجتماعي[2]. إذ يتجاوز التصميم في مرحلة ما بعد الحرب حدود الجماليات والوظيفة، ليصبح فعلاً إنسانياً يشارك في ترميم العلاقة بين الإنسان وفضائه المتضرّر.
تكمن أهمية هذا البحث في استكشاف الإمكانات العلاجية للتصميم بعد الحروب، وبيان كيفية توظيف المبادئ التصميمية لإعادة بناء الفضاءات بطريقة تعالج الصدمة الجماعية، وتعزز الانتماء، وتحيي الذاكرة المشتركة، مع إبراز العلاقة التفاعلية بين الإنسان والمكان في مرحلة ما بعد الكارثة[3]. الإشكالية الأساسية التي ينطلق منها البحث هي: هل يمكن للتصميم أن يؤدي دوراً علاجياً فعّالاً في معالجة الصدمة المكانية وإعادة ترميم العلاقة بين الإنسان والمكان بعد الحرب؟
المحور الأول: الأثر النفسي والاجتماعي للحروب على الفضاء والمجتمع
تعدّ الحروب من أكثر الظواهر قدرة على تفكيك البنية المادية والمعنوية للمجتمعات، إذ لا تقتصر آثارها على الدمار الملموس في العمران والبنى التحتيةبل تمتد آثارها لتشمل الأبعاد النفسية والاجتماعية التي تشكّل جوهر العلاقة بين الإنسان والمكان. فالفضاء العمراني ليس مجرد حيز فيزيائي للعيش، بل هو حاضن للذكريات، وامتداد للهوية الفردية والجماعية، ومسرح للتفاعلات اليومية التي تبني الانتماء والإحساس بالأمان.
عندما ينهار المكان تحت وطأة الحرب، يتصدع معه الإحساس بالاستقرار، ويتشوّه تصور الأفراد للفضاء في ذاكرتهم الجماعية، مما يخلق شعوراً بفقدان الذات والانتماء[4]. ويُعرف هذا التأثير بـالصدمة المكانية،وهيحالة نفسية واجتماعية تنتج عن فقدان الإحساس بالمكان المألوف، حيث يصبح غير مستقر وغريب، وينتج عن ذلك ضعف الروابط الاجتماعية وصعوبة إعادة التفاعل مع البيئة المحيطة.
من هذا المنطلق، يصبح الفضاء العام بعد الحرب شاهداً على التمزّق، لكنه يحمل أيضاً إمكانية للتحوّل إلى أداة شفاء جماعي من خلال إعادة تصميمه لتعزيز التفاعل الاجتماعي وإعادة بناء الثقة، واستعادة الرمزية المكانية.[5]

المستند رقم 1: دمار نتيجة غارة جوية إسرائيلية أمام أطلال موقع بعلبك الأثري المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو
المصدر: https://www.aljazeera.net/gallery/2024/11/13/943
المحور الثاني: دور التصميم والفضاء في دعم التعافي النفسي والاجتماعي
تُعد مرحلة ما بعد الحرب لحظة مفصلية لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان ومكانه، حيث يتحول الفضاء المتضرر إلى مساحة لإعادة البناء المادي والمعنوي معاً. إذ يكتسب التصميمبعداً علاجياً، يهدف إلى إعادة تشكيل الذاكرة الجماعية واستعادة الإحساس بالأمان والانتماء، وربط الإنسان بفضائه اليومي[6].
يعتمد هذا الدور على فهم طبيعة التجربة الإنسانية للمكان، والتي تتسم بالشحنة العاطفية والارتباط بالذاكرة والتجربة المعيشة[7]. ومن خلال تصميم واع، يمكن للفضاء المعاد بناؤه أن يصبح وسيطاً يعيد للأفراد القدرة على إعادة إنتاج معنىله، بما يخفف آثار الصدمة ويعيد بناء الإحساس بالاستمرارية.
تلعب روح المكان دوراً محورياً في ذلك، إذ لا تكمن فقط في الشكل المعماري القديم، بل في قدرة المكان على التعبير عن هوية المجتمع واستجابته لذاكرته الجريحة، مما يعزز الشعور بالأمان والانتماء. كما أن إعادة تصميم الفضاء العام يتيح للمجتمعات إعادة التفاوض مع ذاكرتها، ليس من باب الإنكار أو الطمس، بل من خلال إعادة صياغة علاقتها بالماضي بطريقة تتيح تجاوز الألم دون فقدان الذاكرة[8].فعمليةإعادة الإعمار لا يمكن أن تكون محايدة، لأنها دائماً مشبعة بالسياسة والذاكرة والسلطة، وهي عوامل تُعيد تشكيل الفضاء بقدر ما يعيد الفضاء تشكيلها. [9]
ومن هذا المنطلق، فإن التصميم القائم على إشراك المجتمع يصبح خطوة أساسية لمنحه القدرة على التعبير عن احتياجاته ورواية قصته من خلال المكان، وهو ما يضاعف القدرة العلاجية للفضاء. انّالإدراك المكاني عملية معقدة تتداخل فيها الذاكرة والانفعال والخبرة الحسية، فالأفرادلا يتعاملون مع المكان بوصفه مادة صامتة، بل ككيان مشحون بالدلالات النفسية والاجتماعية[10]. وذلك لأنّ أي اضطرابفي البيئة المبنية يؤدي إلى اضطراب في إدراك المعنى، مما ينعكس مباشرة على الشعور بالأمان والاستقرار النفسي.

المستند رقم 2: رسم توضيحي تسلسلي للوصول الى التعافي النفسي الاجتماعي من بعد الصدمة
المحور الثالث: إنتاج الفضاء وإعادة تشكيل المعنى بعد الحرب
في مرحلة ما بعد الحرب، لا يُنظر إلى إعادة البناء كمجرد عملية مادية، بل كفعل يعيد تشكيل المعاني المكانية والروابط الاجتماعية. فالفضاء يُنتج عبر علاقات اجتماعية وممارسات يومية، وهو محمّل دائماً بتصورات سياسية وإيديولوجيات توجه استخدامه[11]. ومن هذا المنطلق، تصبح إعادة الإنتاج المكاني بعد النزاعات جزءاً من إعادة ترتيب البنية الاجتماعية وصياغة الذاكرة الجماعية. هذه الذاكرةالتيلا تعمل فقط كمخزون للصور الماضية، بل كآلية يعاد من خلالها تفسير المكان وتشكيله نفسياً، بحيث تتحول الصدمات إلى"علامات نفسية" تُخزّنداخل الإدراك اليومي للأفراد[12].
تستلزم إعادة الإعمار فهم هشاشة العلاقات بين السكان وطبيعة السلطة التي يعاد توزيعها عبر الفضاء، إضافةً إلى استجابات معمارية مرنة قادرة على التعامل مع مستقبل غير متوقع. وهكذا، يتحول المكان بعد الصدمة إلى مجال تفاوضي لإعادة إنتاج الهوية، حيث يعيد المجتمع تشكيل علاقته بالأمكنة المتضررة والفضاءات الجديدة، مع التركيز على الأنماط اليومية للسكان كوسيلة لاستعادة الشعور بالمكان وبناء روابط جديدة.

المستند رقم 3: نصب أمل السلام التذكاري بالقرب من مبنى وزارة الدفاع اللبنانية في اليرزة ويضم في طوابقه دبابات وملالات وآليات عسكرية تعطلت خلال الحرب اللبنانية الأهلية
المصدر: https://defense-arab.com/vb/threads/98286/
المحور الرابع: التصميم العلاجي وإعادة الإعمار
يمثّل التصميم المعماري بعد الحرب أكثر من مجرد إعادة للبنية التحتية؛ فهو أداة علاجية لترميم الروابط النفسية والاجتماعية وإحياء الهوية المتضررة. إذ تساهم البيئات المصممة بعناية—من حيث الضوء والألوان والعناصر الطبيعية—في خفض التوتر وإعادة الشعور بالأمان ودعم الاستقرار النفسي[13].مما يجعل التصميم بعد الحرب عملية رعاية للمكان بقدر ما هو رعاية للإنسان.فالعمارة، من هذا المنظور، ليست فقط بناء حجارة جديدة، بل إعادة وصل الإنسان بجذوره ومرجعياته.
تلعب الطبيعة والمساحات الخضراء دوراً محورياً في المدن المتضررة، فهي ليست ترفاً جمالياً، بل وسيلة لإعادة إنتاج الذاكرة المكانية وتعزيز الانتماء، وإعادة بناء النسيج الاجتماعي. ويصبح التصميم جزءاً من منظومة شاملة لإعادة الإعمار، تجمع بين الأداء الوظيفي، الحفاظ على الذاكرة، وتعزيز التعافي النفسي والاجتماعي، بما يضمن قدرة المجتمع على التعافي بشكل مستدام.
توفر الممارسات التصميمية أدوات عملية لإعادة تشكيل البيئات العمرانية بحيث تحقق جودة حياتية مستدامة، من خلال التركيز على الأنماط اليومية والتفاصيل الصغيرة التي تجعل المكان حيًا وقابلاً للاستخدام، ويساهم في دعم السلوكيات الإيجابية[14]. تعتمد عمليات إعادة الإعمار على دمج الخبرات الفردية والجماعية، بما يعيد للسكان إحساسهم بالانتماء ويعزز علاقتهم بالمكان بعد فترات الصدمة[15].
كما أن التصميم العلاجي لا يمكن النظر إليه بمعزل عن استراتيجيات الصمود المجتمعي، إذ يشكّل عنصرًا أساسيًا في إعادة بناء الثقة واستعادة القدرة على ممارسة الحياة اليومية ضمن بيئات آمنة وداعمة[16]. ومن هذا المنطلق، يصبح التصميم جزءًا من منظومة شاملة لإعادة الإعمار تجمع بين الأداء الوظيفي، والحفاظ على الذاكرة، وتعزيز الشفاء النفسي والاجتماعي، بما يسهم في تعزيز التعافي المستدام على مستوى الأفراد والمجتمع.

المستند رقم 3: حديقة Inflexion Memorial Parkهي حديقة عامة أقيمت في موقع مبنى موناكوالقديم، ذلك المبنى الذي كان رمزًا للألم والعنف
المصدر: https://www.archdaily.com/947376/conmemorativo-inflexion-park-pequena-escala-arquitectura-plus-taller-alterno
الخاتمة
تتجاوز عملية إعادة الإعمار ما بعد الحرب حدود البعد الهندسي لتتحول إلى مسار مركّب متعدد المستويات يتداخل فيه النفسي والاجتماعي والسياسي والثقافي. فالفضاء، بوصفه نتاجاً اجتماعياً وثقافياً، يتحول إلى وسيط فاعل في دعم الشفاء الجماعي وإعادة بناء الهوية. ويلعب التصميم العلاجي دوراً محورياً في إعادة ترميم الإحساس بالانتماء وتحفيز الذاكرة المشتركة، من خلال إعادة تشكيل الفضاء الحي بما ينسجم مع أنماط الحياة اليومية، وتعزيز الارتباط بالطبيعة، وتقوية الروابط الاجتماعية، وصون الخصوصية الثقافية. وفي هذا الإطار، يصبح تخطيط الفضاء وإنتاجه جزءاً من استراتيجية شاملة للاستجابة لآثار الصراع، بما يتيح مساراً أكثر تكاملاً للتعافي النفسي والاجتماعي وإحياء النسيج الاجتماعي والثقافي بشكل مستدام.
[1] Norberg-Schulz, C. (1979). Genius loci: Towards a phenomenology of architecture. Rizzoli. P 5-6
[2] Halbwachs, M. (1950). La mémoire collective. Presses Universitaires de France. P 87
[3] Bhabha, H. K. (1994). The location of culture. Routledge p 1-2
[4] Norberg-Schulz, C. (1979). Genius loci: Towards a phenomenology of architecture. Rizzoli. P 5-10
[5] Norberg-Schulz, C. (1979). Genius loci: Towards a phenomenology of architecture. Rizzoli. P 18-22
[6]Sternberg, E. M. (2009). Healing spaces: The science of place and well-being. Harvard University Press. P 171-209
[7]Tuan, Y.-F. (1977). Space and place: The perspective of experience. University of Minnesota Press. P83-104
[8]Huyssen, A. (2003). Present pasts: Urban palimpsests and the politics of memory. Stanford University Press.p1-17
[9] Till, J. (2009). Architecture depends. MIT Press.p63-94
[10] حسن، الحارث عبد الحميد. (2007). اللغة السيكولوجية في العمارة: المدخل إلى علم النفس المعماري. عمّان: صفحات للدراسات والنشر.ص. 115-118
[11] Lefebvre, H. (1991). The production of space (D. Nicholson-Smith, Trans.). Blackwell.P229-291
[12] حسن، الحارث عبد الحميد. (2007). اللغة السيكولوجية في العمارة: المدخل إلى علم النفس المعماري. عمّان: صفحات للدراسات والنشر. ص.141-148
[13] Sternberg, E. M. (2009). Healing spaces: The science of place and well-being. Harvard University Press. P 3-25
[14]Alexander, C. (1979). The timeless way of building. Oxford University Press.p19-67
[15] Tuan, Y.-F. (1977). Space and place: The perspective of experience. University of Minnesota Press. P52-78
[16] Vale, L. J., & Campanella, T. J. (Eds.). (2005). The resilient city: How modern cities recover from disaster. Oxford University Press. P35-55
All rights reserved for Research Labs © 2021